هل تنجح الحكومة السورية الانتقالية في تحييد سوريا عن حرب إيران؟ حياد هش وسط أخطر تحولات الإقليم

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة إقليمية بعيدة عن الحدود السورية، بل تحولت إلى اختبار جديد لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على حماية بلد لم يلتقط أنفاسه بعد من آثار حرب امتدت لأكثر من عقد. وبينما تحاول دمشق تسويق نفسها باعتبارها “دولة محايدة”، تبدو الوقائع أكثر تعقيدًا؛ فسوريا لا تزال تقف فوق أكثر خطوط الشرق الأوسط هشاشة، حيث يكفي خطأ سياسي أو تطور ميداني واحد لتحويلها مجددًا إلى ساحة مفتوحة للصراعات.

ورغم أن البلاد بقيت حتى الآن خارج المواجهة المباشرة، فإن هذا الابتعاد لا يعكس بالضرورة قوة في إدارة الأزمة، بقدر ما يعكس توازنًا إقليميًا مؤقتًا فرضته مصالح القوى الدولية، لا سياسات الحكومة السورية نفسها.

استقرار معلق بإرادة الخارج

تحاول السلطة الانتقالية تكريس خطاب يقوم على الحياد وعدم الانخراط في الاستقطاب الأمريكي الإيراني، مدفوعة بإدراك أن أي مواجهة جديدة ستكون كارثية على دولة ما تزال مؤسساتها هشة، واقتصادها منهكًا، وبنيتها الأمنية غير مستقرة.

لكن هذا “الحياد” لا يستند إلى عناصر قوة داخلية بقدر ما يقوم على توافقات خارجية مؤقتة. فالولايات المتحدة ترى في سوريا حاجزًا جغرافيًا يمكن أن يحد من النفوذ الإيراني، فيما تنظر أوروبا إلى استقرارها بوصفه ضرورة للحد من موجات اللجوء والتطرف، بينما تتعامل دول الخليج وتركيا معها باعتبارها ممرًا محتملًا لمشاريع التجارة والطاقة.

وبذلك، يصبح استقرار سوريا مصلحة إقليمية ودولية، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى ضمانة دائمة للسوريين.

حكومة تواجه أزمات تتجاوز قدراتها

ورغم الحراك الدبلوماسي الذي شهدته الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الانفتاح الأوروبي والتقارب مع واشنطن، ما تزال الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن معالجة ملفات داخلية أكثر إلحاحًا، تبدأ من الانهيار الاقتصادي ولا تنتهي عند الانفلات الأمني والانقسامات المجتمعية.

وتدرك العواصم الغربية أن أي انفجار داخلي سيقوض مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، إلا أن الدعم السياسي الذي تحظى به دمشق لم ينعكس حتى الآن على شكل مؤسسات أكثر كفاءة أو إدارة قادرة على بناء دولة مستقرة، وهو ما يجعل الحديث عن “سوريا الآمنة” أقرب إلى هدف سياسي منه إلى واقع ميداني.

الجغرافيا… نعمة تتحول إلى عبء

لطالما منحت الجغرافيا سوريا موقعًا استثنائيًا في قلب الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه جعلتها نقطة تقاطع لكل الصراعات الكبرى.

فهي تجاور العراق ولبنان والأردن وتركيا زكيان الاحتلال، وتلامس ملفات النفوذ الإيراني، والمصالح الأمريكية، والحسابات الروسية، والطموحات التركية، والمشاريع الخليجية، ما يجعل أي تصعيد في المنطقة قادرًا على الوصول إليها خلال ساعات.

ولهذا، فإن الرهان على بقاء سوريا خارج الصراع يبدو هشًا، لأن مستقبلها لا تحدده قرارات دمشق وحدها، بل موازين القوى المتغيرة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.

بين الفرصة والوهم

يرى مراقبون أن الولايات المتحدة وأوروبا أصبحتا أكثر اقتناعًا بأن استقرار سوريا أقل كلفة من استمرار الفوضى، وهو ما يفسر الانفتاح السياسي المتزايد على الحكومة الانتقالية، ومحاولات دمج دمشق تدريجيًا في ترتيبات المنطقة الجديدة.

غير أن هذا الانفتاح يبقى مشروطًا بقدرة الحكومة على إنتاج دولة مستقرة، وهو شرط لم يتحقق بعد. فالاقتصاد لا يزال هشًا، والاستثمارات الموعودة لم تتحول إلى مشاريع ملموسة، بينما تستمر التحديات الأمنية والضغوط الإسرائيلية والتوترات الحدودية في استنزاف المشهد.

حياد تحت الاختبار

مع استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبدو سوريا أمام أخطر اختبار منذ سقوط النظام السابق. فكلما اتسعت رقعة الصراع، تقلص هامش المناورة أمام دمشق، وازداد احتمال انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحكومة السورية الانتقالية ترغب في تحييد البلاد، بل ما إذا كانت تمتلك فعلًا القدرة على ذلك.

فحتى الآن، يبدو أن “سوريا الآمنة” ليست نتيجة لسياسة سورية ناجحة، بل ثمرة توازنات دولية قابلة للتبدل في أي لحظة. وفي منطقة تعاد فيها كتابة خرائط النفوذ بالقوة، يبقى استقرار البلاد معلقًا بإرادة الخارج أكثر من اعتماده على قوة الداخل، فيما تواصل الحكومة الانتقالية إدارة مرحلة شديدة الهشاشة بأدوات لا تزال أقل من حجم التحديات التي تحيط بها.

 

اقرأ أيضاً: دمشق تقرع طبول الحرب الأهلية في لبنان

اقرأ أيضاً: “لم نطلب الإذن من أحد”.. كاتس يؤكد مواصلة احتلال “المناطق الأمنية” في سوريا وغزة ولبنان

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.