الأمن الغذائي في سوريا إلى 2027.. الحصاد الوفير لا ينقذ ملايين الجائعين وسط عجز الحكومة الانتقالية

رغم أن حقول القمح استعادت شيئًا من لونها بعد سنوات الجفاف، فإن موائد ملايين السوريين ما تزال فارغة. فالمطر الذي أنعش الأرض لم يتمكن من إنعاش الاقتصاد، والمحصول الذي وُصف بأنه الأفضل منذ سنوات لم ينجح في كسر دائرة الفقر والجوع، لتبقى سوريا عالقة بين موسم زراعي واعد وواقع معيشي يزداد قسوة.

هذا التناقض يلخصه أحدث تقرير لشبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، الذي يحذر من استمرار أزمة انعدام الأمن الغذائي في مناطق واسعة من البلاد حتى كانون الثاني 2027، متوقعًا أن يبلغ عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية ما بين 6 و6.99 ملايين شخص خلال الأشهر المقبلة، في مؤشر يعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد رغم التحسن النسبي في الإنتاج الزراعي.

التقرير يرسم صورة مختلفة عن الخطاب الرسمي المتفائل بشأن التعافي الاقتصادي، إذ يشير إلى أن مكاسب الموسم الزراعي لم تصل إلى غالبية الأسر الفقيرة، بعدما استُنزفت عائدات الحصاد في سداد ديون تراكمت خلال سنوات الجفاف، أو ذهبت لتغطية تكاليف الوقود والأسمدة والري، بينما بقيت القوة الشرائية تتآكل تحت ضغط التضخم وتراجع قيمة الليرة وارتفاع أسعار الغذاء.

ورغم أن إنتاج القمح قفز إلى ما بين 2.3 و2.5 مليون طن مقارنة بنحو 900 ألف طن في الموسم السابق، فإن هذا التحسن لم ينعكس على الأمن الغذائي. فما زال الإنتاج أقل من حاجة البلاد، فيما يواجه المزارعون أسعار شراء لا تغطي تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى تخزين محاصيلهم أو بيعها خارج القنوات الرسمية، وسط مخاوف من تقلص المساحات المزروعة في الموسم المقبل.

ولا تبدو المشكلة زراعية بقدر ما هي اقتصادية وإدارية. فالحكومة السورية الانتقالية أخفقت، حتى الآن، في تحويل الوفرة الزراعية إلى تحسن ملموس في حياة السكان، إذ اصطدمت مكاسب الموسم بضعف السياسات الاقتصادية، وتأخر إجراءات شراء المحاصيل، واستمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، لتتحول الزيادة في الإنتاج إلى أرقام لا تغير واقع الأسر التي تكافح يوميًا لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويشير التقرير إلى استمرار مناطق شمال شرقي وشمال غربي سوريا ضمن المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، وهي مرحلة “الأزمة”، حيث تعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها الغذائية دون استنزاف مدخراتها أو بيع أصولها. كما يتوقع انتقال محافظة اللاذقية إلى هذه المرحلة اعتبارًا من تشرين الأول المقبل، مع انتهاء الموسم السياحي وارتفاع نفقات التعليم والتدفئة، فيما تبقى معظم محافظات الجنوب ضمن مرحلة “الضغط”، مع هشاشة متزايدة قد تدفعها إلى الأزمة إذا تدهورت الظروف الاقتصادية أو الأمنية.

ولا يقتصر المشهد على ضعف الإنتاج أو ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى آثار الحرب الطويلة التي ما تزال تلاحق ملايين السوريين. فعودة أكثر من مليوني نازح إلى مناطقهم منذ أواخر عام 2024 لم تعنِ استعادة الحياة الطبيعية، إذ وجد كثير منهم منازل مدمرة، وأراضي ملوثة بمخلفات الحرب، وفرص عمل محدودة، ما جعل العودة امتدادًا للنزوح أكثر من كونها نهاية له.

وفي الوقت ذاته، تتراجع المساعدات الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة مع انخفاض التمويل الدولي، بعدما خفّض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين إلى النصف، وأوقف مشروع الخبز المدعوم الذي كان يخدم ملايين السوريين يوميًا، في وقت تقلصت فيه حصة الخبز المدعوم، وارتفعت أسعار الوقود والنقل والغاز، بينما فقدت الزيادات المحدودة في الرواتب قيمتها أمام موجات الغلاء المتلاحقة.

ويحذر التقرير من أن الأشهر المقبلة قد تكون أكثر صعوبة، إذ إن أي تراجع جديد في قيمة الليرة، أو تصعيد أمني، أو موسم مطري ضعيف، سيقود إلى ارتفاع إضافي في أسعار الغذاء، واتساع رقعة المناطق المصنفة ضمن مرحلة الأزمة، خصوصًا في الجنوب والساحل.

في المحصلة، تبدو سوريا أمام مفارقة قاسية؛ موسم زراعي جيد يقابله جوع متصاعد، وأرقام إنتاج مرتفعة تعجز عن وقف اتساع رقعة الفقر. وبينما تواصل الحكومة الانتقالية الحديث عن التعافي، تكشف المؤشرات الميدانية أن الأزمة أصبحت أعمق من أن تُعالج بمحصول وفير أو إجراءات مؤقتة، إذ يرتبط الخروج منها بإصلاح اقتصادي وإداري شامل لم تظهر ملامحه بعد، فيما يبقى ملايين السوريين رهائن اقتصاد هش، ودولة تعجز حتى الآن عن تحويل خيرات الأرض إلى أمن غذائي حقيقي.

اقرأ أيضاً: أكثر من مليوني طن من القمح إلى الصوامع… موسم واعد يصطدم بأسئلة الأمن الغذائي والاستدامة في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.