السلع المستعملة في سوريا.. سوق يتوسع تحت ضغط الغلاء ويعيد رسم ثقافة الاستهلاك
لم تعد السلع المستعملة في الأسواق السورية مجرد خيار محدود لذوي الدخل المنخفض، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من المشهد الاقتصادي اليومي، مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وارتفاع أسعار السلع الجديدة. فمن الملابس والأجهزة الكهربائية إلى الأثاث والهواتف المحمولة، باتت الأسواق الشعبية ومحال البيع المستعمل تستقطب شريحة متزايدة من السوريين الباحثين عن بدائل أقل كلفة تلبي احتياجاتهم الأساسية.
ويأتي هذا التحول في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي فرضتها سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات أسعار الصرف، ما جعل شراء كثير من السلع الجديدة خارج قدرة عدد كبير من الأسر، ودفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية بما يتناسب مع إمكاناتها المالية.
تبدّل في أنماط الشراء
يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية حامد سيف الدين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن توسع الإقبال على السلع المستعملة يرتبط أساساً بتراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار المنتجات الجديدة، سواء المستوردة أو المصنعة محلياً، الأمر الذي دفع المستهلكين إلى البحث عن خيارات أكثر ملاءمة من الناحية الاقتصادية.
ويشير إلى أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالسعر وحده، بل أصبحت الجودة عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، إذ يفضل كثير من المستهلكين اقتناء منتجات مستعملة ذات جودة عالية على شراء منتجات جديدة أقل متانة. ويضرب مثالاً بالأثاث المصنوع من خشب الزان، الذي يمكن شراؤه مستعملاً بجودة تفوق كثيراً من البدائل الحديثة وبسعر أقل.
ويلفت إلى أن أسعار السلع المستعملة تتحدد وفق معايير متعددة، تشمل عمرها التشغيلي، وحالتها الفنية، والعلامة التجارية، ومدى الطلب عليها في السوق، إضافة إلى تكلفتها بالنسبة للتاجر.
فرص عمل وسوق متنامية
ولم يعد نشاط بيع المستعمل مقتصراً على تصريف البضائع، بل تحول إلى مصدر دخل لعدد متزايد من العاملين في هذا القطاع، إذ يعتمد كثيرون على شراء القطع المستعملة، وصيانتها أو إعادة تأهيلها، ثم عرضها للبيع عبر المحال أو الأسواق الشعبية أو المنصات الإلكترونية.
ويبرز هذا التوجه بشكل خاص لدى الشباب المقبلين على الزواج، الذين يعتمدون على الأثاث والأجهزة المستعملة لتخفيف تكاليف تأسيس منازلهم، إلى جانب الأسر التي تحتاج إلى شراء مستلزمات الأطفال أو الأجهزة المنزلية بأسعار تتناسب مع دخلها.
ثقافة استهلاك جديدة
ويرى مختصون أن انتشار تجارة المستعمل يعكس تحولاً في ثقافة الاستهلاك داخل المجتمع السوري، حيث أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية بأقل تكلفة ممكنة، بغض النظر عن كون السلعة جديدة أو مستعملة.
ومع استمرار التحديات الاقتصادية، تبدو السلع المستعملة مرشحة للحفاظ على مكانتها في الأسواق السورية، ليس فقط كحل مؤقت لتجاوز ضغوط المعيشة، بل كأحد المكونات الثابتة في سلوك المستهلك، وسوق يواصل التوسع مدفوعاً بمعادلة تجمع بين انخفاض الكلفة وإمكانية الحصول على جودة مقبولة في كثير من المنتجات.
اقرأ أيضاً: أسواق “البالة” في دمشق: من خيار للفقراء إلى ملاذ للطبقة الوسطى