أزمة الغلاء في طرطوس.. كيف يهدد التضخم لقمة عيش الأسر ويدفع بالأسواق نحو الركود؟

تواجه محافظة طرطوس موجة غير مسبوقة من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، مما ألقى بأعباء ثقيلة على كاهل المواطنين، لاسيما ذوي الدخل المحدود، وسط تداخل معقد بين الأزمات البنيوية الداخلية والضغوط الاقتصادية الخارجية.

وقد أدت هذه التحولات المتسارعة إلى اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، مسببةً انعكاسات اجتماعية واقتصادية خطيرة تمس الأمن الغذائي والقدرة الشرائية لشرائح المجتمع كافة.

أسباب ارتفاع تكاليف المعيشة في محافظة طرطوس

في قراءة تحليلية لواقع الأسواق، أكد الدكتور وجد الصائغ، الخبير الاقتصادي والأستاذ في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري (فرع اللاذقية)، أن أزمة الغلاء في طرطوس لا يمكن فصلها عن المشهد السوري العام، مرجعاً الأسباب إلى:

  • الإرث الهيكلي للأزمة: حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية خلال السنوات الماضية.

  • انهيار قيمة العملة: تراجع القيمة الشرائية للعملة المحلية وما يرافقه من قفزات جنونية في أسعار السلع والخدمات الأساسية.

  • أزمة الطاقة والنقل: تمثل الطاقة المحرك الأساسي لأي نشاط اقتصادي، وأي زيادة في أسعار المحروقات والكهرباء تنعكس فوراً على أسعار السلع عبر “تأثير الدومينو”.

  • اضطراب سلاسل التوريد: تأثر حركة الشحن والتوزيع نتيجة التوترات المستمرة في الممرات البرية والبحرية، مما رفع كلفة مستلزمات الزراعة المحمية والصيد البحري.

رغم ذلك، يرى الدكتور الصائغ أن قطاع الاستثمارات في النقل البحري والسياحة قد يمثلان طوق نجاة لدعم الاقتصاد المحلي في طرطوس مستقبلاً إذا توافرت البيئة الاستثمارية الملائمة.

كيف يؤدي تراجع القدرة الشرائية إلى ركود الأسواق؟

أوضح الدكتور وجد الصائغ أن ضعف القدرة الشرائية للمواطن يتسبب في إدخال السوق في حلقة مفرغة من الركود عبر 3 قنوات رئيسية:

انخفاض الطلب الكلي ◄ التركيز على الأساسيات فقط ◄ ركود الأسواق وانخفاض المبيعات ◄ تقليص الإنتاج ◄ تسريح العمالة وارتفاع البطالة

هذا التباطؤ الحاد يجبر الأسر على التخلي عن السلع غير الأساسية، مما يضرب حركة التجارة والصناعة في مقتل.

الفئات الأكثر تضرراً من موجة التضخم في سوريا

لا ترحم موجة الغلاء أحداً، إلا أن التقرير يصنف الفئات الأكثر سحقاً تحت وطأة التضخم على النحو التالي:

  1. الطبقة الوسطى وأصحاب الدخل الثابت: الموظفون في القطاعين العام والخاص والمتقاعدون الذين تآكلت رواتبهم بالكامل.

  2. صغار الكسبة والحرفيين: المزارعون والصناعيون الذين يواجهون ارتفاعاً هائلاً في كلفة المواد الأولية مقابل ثبات أسعار البيع أو نموها ببطء، مما يحول أرباحهم إلى خسائر فادحة.

الآثار الاجتماعية والنفسية بعيدة المدى على المجتمع

المشكلة لا تقف عند حدود الأرقام؛ حيث يحذر الخبراء من آثار اجتماعية عميقة يصعب كسرها مستقبلاً، ومن أبرزها:

  • اتساع رقعة الفقر: تراجع مستويات الرفاه الاجتماعي وزيادة الضغوط النفسية والأسرية داخل المنزل.

  • تآكل رأس المال البشري: اضطرار العائلات إلى تقليص الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، وهو ما يدمر جودة الحياة ويؤثر سلباً في مسارات التنمية المستقبلية.

  • تراجع الثقة بالمؤسسات: زيادة معدلات التهميش والبطالة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي وإعادة إنتاج الأزمات بشكل متكرر ما لم يتم تبني حلول اقتصادية شاملة ومستدامة.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.