ركود يبتلع الأسواق السورية.. الليرة المتقلبة وتكاليف الإنتاج تخنق ما تبقى من الحركة التجارية

لم تعد واجهات المحال المليئة بالبضائع تعكس حقيقة المشهد الاقتصادي في سوريا. خلف الرفوف الممتلئة والأسواق التي تبدو عامرة من الخارج، يتسع فراغ آخر أكثر قسوة؛ فراغ القدرة الشرائية، حيث تتراجع حركة البيع والشراء إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تتآكل مداخيل السوريين تحت ضغط الأسعار وتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة.

أسواق مزدحمة بالبضائع.. وخالية من المشترين

خلال الأسابيع الأخيرة، دخلت الأسواق السورية مرحلة جديدة من الركود، بالتزامن مع استمرار تذبذب الليرة السورية أمام الدولار وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة.

ورغم وفرة السلع في معظم الأسواق، فإن المبيعات تشهد تراجعًا حادًا في مختلف القطاعات، من الملابس والأحذية إلى الأجهزة المنزلية والعقارات والسيارات، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول الحقيقية للأسر.

ويؤكد تجار أن المستهلك السوري بات يحصر إنفاقه بالحدود الدنيا من الاحتياجات الأساسية، بينما تحولت عشرات السلع التي كانت تعد ضرورية قبل سنوات إلى كماليات مؤجلة أو مستبعدة بالكامل من أولويات الإنفاق.

الليرة المتقلبة تزيد ارتباك السوق

ساهمت التقلبات المستمرة في سعر الصرف في تعميق حالة عدم اليقين داخل الأسواق، إذ تجاوز الدولار بعد عيد الأضحى مستوى 145 ليرة جديدة قبل أن يتراجع بشكل محدود.

هذا التذبذب دفع العديد من التجار إلى اعتماد ما يعرف بـ”التسعير التحوطي”، أي احتساب تكاليف مستقبلية متوقعة للبضائع بدلاً من تكلفتها الحالية، خشية التعرض لخسائر عند إعادة التوريد.

والنتيجة كانت مزيدًا من الاضطراب السعري، وتفاوت الأسعار بين متجر وآخر، وأحيانًا داخل السوق الواحدة خلال اليوم نفسه.

ارتفاع التكاليف يهدد استمرارية المنشآت

لا يقتصر الضغط على المستهلكين وحدهم، فالتجار وأصحاب المنشآت يواجهون بدورهم معركة يومية للحفاظ على استمرارية أعمالهم.

فارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات والشحن والإيجارات والخدمات أدى إلى تقلص هوامش الربح إلى أدنى مستوياتها، بينما تتراكم البضائع في المستودعات مع ضعف الطلب وانكماش السوق.

وباتت العديد من المنشآت التجارية والصناعية تعمل عند حدود الكلفة أو بخسائر فعلية بهدف الحفاظ على دورة العمل وتأمين السيولة، فيما أغلقت منشآت أخرى أبوابها أو طرحت للبيع بعد عجزها عن تحمل الأعباء المتزايدة.

اقتصاد وفرة بلا قدرة على الشراء

يرى خبراء اقتصاديون أن ما تعيشه سوريا اليوم يقترب من حالة “الركود التضخمي”، حيث تتوفر السلع في الأسواق لكن القوة الشرائية المنهكة تمنع تحويل هذا التوفر إلى طلب فعلي.

وفي الوقت الذي شهدت فيه بعض القطاعات، مثل الخضر والفواكه، انخفاضًا نسبيًا في الأسعار نتيجة وفرة الإنتاج، فإن ذلك لم ينعكس على انتعاش الأسواق، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بتوفر السلع بقدر ارتباطها بقدرة المواطنين على شرائها.

التعافي المؤجل

رغم الجهود الحكومية الرامية إلى ضبط الأسواق وتحسين البيئة الاقتصادية، إلا أن مؤشرات التعافي ما تزال بعيدة عن التحقق في ظل استمرار الضغوط النقدية والإنتاجية والمعيشية.

ويجمع اقتصاديون على أن استعادة النشاط التجاري تتطلب أكثر من مجرد توفر البضائع أو الرقابة على الأسعار؛ فهي ترتبط باستقرار سعر الصرف، وتخفيف تكاليف الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، والأهم إعادة بناء القدرة الشرائية للأسر السورية، باعتبارها المحرك الحقيقي لأي دورة اقتصادية.

حتى ذلك الحين، تبدو الأسواق السورية عالقة بين وفرة لا تُباع، ومستهلكين يراقبون الأسعار أكثر مما يشترون، واقتصاد يحاول الاستمرار وسط واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ سنوات.

 

اقرأ أيضاً: شريان النقل يخنق الأسواق السورية: كلفة الشحن تعيد رسم خريطة الأسعار وتعمق الركود

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.