الفجوة تتسع لـ 24%.. ما هي الأسباب الحقيقية وراء الانهيار المتسارع لليرة السورية؟
تشهد أسواق الصرف في سوريا تطورات متسارعة تضع الليرة السورية أمام اختبار هو الأقسى من نوعه، حيث قفز سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الموازية (السوداء) ليتجاوز حاجز 15,600 ليرة سورية، في حين يحافظ مصرف سوريا المركزي على السعر الرسمي ثابتاً عند 11,250 ليرة. هذه القفزة الكبيرة خلقت فجوة هائلة وهوة اختلال بين السعرين وصلت إلى 24 بالمئة.
هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات ملحة حول الأطراف الفاعلة في مسار تدهور الليرة، وما إذا كان ما يجري مجرد تقلبات مؤقتة أم مؤشراً على أزمة ثقة واختلالات بنيوية أعمق تضرب الاقتصاد السوري.
أزمة ثقة متنامية أم اختلالات هيكلية؟
مع اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، لم يعد سعر الصرف مجرد انعكاس لحركة العرض والطلب التقليدية، بل تحول إلى دليل مباشر على أزمة ثقة متنامية في السياسات النقدية وقدرة المؤسسات المالية على ضبط الأسواق.
ويأتي هذا التراجع في ظل تقارير صادرة عن البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، والتي تؤكد أن الاقتصاد السوري يعاني من تحديات مركبة وعميقة، أبرزها:
-
ضعف وتراجع الإنتاج المحلي.
-
انخفاض تدفقات القطع الأجنبي والتحويلات الخارجية.
-
تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة.
-
ارتفاع فاتورة تمويل الواردات الأساسية بموارد شحيحة.
“المتهمون الأربعة” في أزمة تراجع الليرة السورية
في تحليل شامل للمشهد، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن المسؤولية لا تقع على عاتق عامل واحد، بل تتوزع بين أربعة عناصر رئيسية تضغط بشكل مباشر على سعر الصرف:
-
تمويل المستوردات: الحاجة المستمرة للدولار لتغطية السلع المستوردة بغياب التدفق الكافي للعملة الصعبة.
-
فاتورة الحبوب: استيراد كميات كبيرة من القمح والحبوب وسداد قيمتها بالقطع الأجنبي.
-
ظاهرة استبدال العملة: تزايد التوجه نحو التخلي عن العملة المحلية كوسيلة للادخار.
-
العقوبات الدولية: تضييق الخناق على جذب الاستثمارات الأجنبية والتمويل الخارجي.
السبب الجذري للأزمة: يؤكد د. محمد أن “العامل الأخطر” هو عجز المصرف المركزي عن تلبية الطلب الحقيقي على الدولار لتأمين الغذاء والدواء، والاعتماد المتزايد على التوسع النقدي وتمويل عجز الموازنة عبر طباعة الأموال، مما يضعف القوة الشرائية لليرة. أما المضاربات فهي مجرد عوامل مسرّعة للانهيار وليست سبباً أصيلاً.
هل يمكن وقف تراجع الليرة؟ حلول ومقترحات اقتصادية
يرى الخبراء أن الأدوات التقليدية لإدارة السياسة النقدية لم تعد تجدي نفعاً، ويقترحون حزمة من الإجراءات المرنة للحد من تدهور سعر الصرف:
-
إطلاق سوق صرف رسمي متعدد المستويات: بدلاً من الاعتماد على سعر موحد، لامتصاص الطلب المرتفع خارج القنوات الرسمية.
-
وقف التمويل بالعجز: التوقف عن طباعة النقود بدون غطاء إنتاجي.
-
أدوات ادخار جاذبة: طرح سندات خزينة قصيرة الأجل ذات عوائد مرتفعة لتشجيع الادخار بالليرة السورية.
-
ترشيد الاستيراد: حظر استيراد السلع الكمالية وتوجيه الدولار المتاح حصراً للدواء والأغذية.
-
تنظيم السوق الموازية: الانتقال من استراتيجية “محاربة السوق السوداء” إلى تنظيمها واحتوائها.
رؤية مستقبلية
يبدو أن السيطرة الكاملة على تدهور الليرة السورية على المدى القصير تعد أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن إبطاء وتيرة التراجع يبدو ممكناً إذا اقترنت المرونة النقدية بإصلاحات هيكلية حقيقية تعالج قطاعات الإنتاج والتجارة والمالية العامة، لإعادة بناء الثقة بالمنظومة الاقتصادية.
إقرأ أيضاً: زيادة الرواتب في سوريا.. حين يبتلع سعر الصرف راتب الموظف
إقرأ أيضاً: التضخم وخنق الليرة يفاقمان معاناة السوريين وسط غلاء غير منضبط