عمال المياومة في سوريا: بين سندان المخاطر اليومية وغياب الحماية التأمينية

تفرض طبيعة سوق العمل في العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية حضوراً واسعاً لشريحة عمال المياومة (العمالة اليومية)، والذين باتوا يشكلون الحلقة الأضعف في البنية الاقتصادية. يعتمد هؤلاء العمال على فرص عمل غير مستقرة، مما يضعهم في حالة قلق دائم لتأمين قوت يومهم، وسط غياب شبه كامل لشبكات الأمان الاجتماعي والحماية التأمينية الفعلية.

تتجلى هذه الأزمة بوضوح في قطاعات البناء، النقل، التحميل، والأعمال الحرفية؛ حيث يغيب التنظيم الرسمي للعلاقة بين العامل وصاحب العمل، وتختفي العقود القانونية لتصبح العلاقة قائمة على مبدأ: “عمل مقابل أجر يومي” فقط.

مخاطر مهنية يومية وإصابات بلا تعويض

مع طبيعة هذه المهن الشاقة، تصبح المخاطر جزءاً من الروتين اليومي للعامل. فالتنقل بين طوابق الأبنية غير المكتملة، والتعامل مع المعدات الثقيلة دون تدريب أو وسائل حماية، والعمل في ظروف مناخية قاسية، كلها عوامل ترفع نسب الإصابة بالعجز المؤقت أو الدائم.

شهادة من الميدان: يقول العامل يزن مرعي، الذي يعمل في مجال البناء (الباطون)، لصحيفة «الثورة السورية»: “نشتغل بشكل يومي، وإذا تعرض أحدنا لإصابة فلا يوجد أي تعويض، وكل عامل يتحمل نتيجة إصابته بنفسه. بعضنا يضطر للاستمرار في العمل رغم الإصابة لأن التوقف يعني خسارة أجر اليوم وفقدان الدخل الوحيد للأسرة”.

ويفاقم غياب التسجيل في التأمينات الاجتماعية حجم المشكلة؛ إذ يجد العامل المصاب نفسه وحيداً في مواجهة تكاليف العلاج المرتفعة، مما يضطره للاستدانة أو إهمال العلاج، والعودة إلى العمل قبل الشفاء التام، وهو ما يعرضه لمضاعفات صحية خطيرة.

الفجوة بين قانون العمل السوري والواقع العملي

من الناحية التشريعية، تبدو النصوص القانونية في سوريا واضحة وحامية لحقوق العمال:

  • قانون العمل رقم 17 لعام 2010: يضمن شمول كل من يعمل لقاء أجر بالحماية القانونية.

  • قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959: يؤكد إلزامية تسجيل جميع العمال في نظام التأمينات دون استثناء، بما في ذلك عمال المياومة، لتغطية إصابات العمل، تعويضات العجز، والشيخوخة.

لكن الفجوة تكمن في التطبيق نتيجة التهرب التأميني وضعف الرقابة. وفي هذا السياق، أكد مدير فرع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بدمشق، بكار حسن بكور، لصحيفة «الثورة»، أن جميع عمال المياومة مشمولون قانوناً، وتسجيلهم مسؤولية تقع على عاتق صاحب العمل قبل المباشرة بالعمل.

وأوضح بكور أن المؤسسة تتكفل بعلاج إصابات العمل وتكاليفها، بينما تتحمل جهة العمل المخالفة المسؤولية الكاملة، مشيراً إلى أن المؤسسة تكثف جولاتها التفتيشية لضبط المخالفات ومتابعة شكاوى العمال، رغم تحدي تهرب أصحاب العمل لتقليل التكاليف.

كيف يحمي العامل غير المسجل حقوقه قانونياً؟

أوضح المحامي مصطفى الخالد، المختص في القضايا العمالية، لصحيفة «الثورة»، أن العامل غير المسجل في التأمينات لا يفقد حقه بالكامل عند الإصابة.

  • الحل القانوني: يمكن للعامل اللجوء إلى القضاء لإثبات علاقة العمل ووقوع الإصابة عبر (شهادة الشهود، التقارير الطبية، أو أي وسيلة إثبات).

  • العقبة: هذه الإجراءات القضائية غالباً ما تكون طويلة ومعقدة، وتشكل عبئاً مالياً ونفسياً إضافياً على العامل المصاب في ظل ظروفه المعيشية الصعبة.

حلول ومقترحات لحماية عمال المياومة في سوريا

تتطلب معالجة ملف العمالة غير المنظمة مقاربة شاملة وحلولاً مستدامة، يوصي بها الخبراء:

  1. تطوير نظام الاشتراك التأميني: ربط التأمين بالرخصة المهنية أو إطلاق بطاقة إلكترونية موحدة للعامل، بحيث ترتبط الحماية التأمينية بالعامل نفسه وتتنقل معه، بدلاً من ارتهانها برب العمل في المهن الموسمية والمؤقتة.

  2. تشديد الرقابة والتفتيش: تفعيل دور أجهزة التفتيش التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وفرض عقوبات رادعة على أصحاب العمل المتهربين.

  3. تفعيل دور النقابات: إنشاء صناديق دعم طارئة للعمال المصابين، وتقديم التوعية القانونية المجانية لهم.

  4. حملات توعية وطنية: تعريف العمال بحقوقهم القانونية، وأن القانون يكفل لهم مقاضاة صاحب العمل عند التعرض لإصابة مهنية حتى لو لم يكونوا مسجلين مسبقاً.

مع استمرار الظروف الاقتصادية الراهنة وتزايد أعداد عمال المياومة، لم يعد ملف التأمينات مجرد إجراء إداري، بل أولوية خدمية واجتماعية ملحة للحد من معدلات الفقر وتقليل الأعباء عن القطاع الصحي العام.

إقرأ أيضاً: موجة غلاء تضرب أسواق الحسكة.. تكاليف النقل والجمارك تخنق ذوي الدخل المحدود

إقرأ أيضاً: إضرابات عمالية تهز القطاع الصناعي السوري.. هل بدأت أزمة الأجور بالتحول إلى احتجاجات منظمة؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.