الإعلام السوري بعد سقوط نظام الأسد: بين مؤشرات حرية الصحافة وتحديات التضليل وهيمنة السلطة
تشهد سوريا تحولات إعلامية متسارعة منذ سقوط نظام الأسد، وسط جدل واسع النطاق يحيط بمستقبل حرية الصحافة، وحدود استقلالية وسائل الإعلام، وشكل المنظومة القانونية الناظمة للعمل الصحفي في البلاد.
وعلى الرغم من إشارة تقارير دولية إلى حدوث تحسن نسبي في مؤشرات حرية التعبير، إلا أن صحفيين وباحثين يؤكدون أن البيئة الإعلامية ما تزال تواجه قيوداً سياسية وأمنية هادفة إلى استمرار هيمنة السلطة الانتقالية على الخطاب العام.
مؤشر حرية الصحافة لعام 2026: تقدم ملحوظ ولكن هش
وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026، حققت سوريا تقدماً في مؤشر حرية الصحافة العالمي بعد سنوات طويلة من التراجع الحاد في ذيل القائمة. ومع ذلك، وصفت المنظمة هذا التحسن بـ “الهش”، محذرة من غياب بيئة تشريعية وميدانية مستقرة تضمن عملاً إعلامياً حراً ومستقلاً تماماً.
ويُرجع مراقبون هذا الارتداد إلى استمرار أسر الإعلام السوري في مربعات الاستقطاب السياسي والتجاذبات الإقليمية، فضلاً عن أزمات التمويل وغياب القوانين الضامنة لحماية الصحفيين.
إعادة إنتاج أدوات السيطرة: هيكلية قديمة بسردية جديدة
يرى الدكتور محمد أبو العنين، الباحث والأكاديمي، خلال حديثه لموقع ”963+” أن وسائل الإعلام الرسمية السورية لم تشهد تغييراً جوهرياً في البنية الإدارية أو أدوات التحكم بعد سقوط النظام السابق، بل انتقلت الآليات ذاتها إلى السلطة الجديدة.
أبرز مظاهر هيمنة السلطة على الإعلام:
-
تبعية المؤسسات الرسمية: خضوع التلفزيون الرسمي السوري والصحف القومية الكبرى (مثل صحيفتي “البعث” و”تشرين”) لتوجهات السلطة الحالية ورسائلها السياسية.
-
تغير الخطاب لا الهيكل: اقتصر التغيير على السياسة التحريرية والسردية المستخدمة لخدمة خطاب النظام الجديد، بينما ظلت أدوات الرقابة والتحكم كما هي.
-
غياب الاستقلالية الحقيقية: تظل المنصات الإعلامية الناشئة والمملوكة لرجال أعمال مقربين من السلطة تعمل ضمن هوامش محددة مسبقاً، لغياب الفصل القانوني بين الملكية والتحرير.
-
إعلام المعارضة في الخارج: تضطر المنصات السورية التي تحاول الحفاظ على موضوعيتها (مثل “عنب بلدي” و”كلنا شركاء”) للعمل من خارج البلاد، مركزةً على توثيق الانتهاكات المستمرة ضد الصحفيين.
السوشيال ميديا في سوريا: ساحة للجيوش الإلكترونية والتضليل
في ظل تراجع الثقة بالإعلام الرسمي، بات المواطن السوري يعتمد بشكل رئيسي على منصات التواصل الاجتماعي (خاصة فيسبوك، وتلغرام) للحصول على الأخبار، مما فتح الباب أمام تحديات كبرى:
-
الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية: تنامي دور الحسابات الموجهة المرتبطة بأطراف النزاع المختلفة، والتي تسهم في بث الشائعات، والخطابات التحريضية، والتعبئة الطائفية والمذهبية.
-
غياب منصات التدقيق: أكدت تقارير أممية أن ضعف آليات التحقق من المعلومات وغياب المؤسسات المستقلة لتدقيق الأخبار جعلا البيئة الرقمية السورية أرضاً خصبة للتضليل الممنهج.
-
الخوف من التعبير المغاير: ما يزال الكثير من السوريين (داخل البلاد وخارجها) يخشون التعبير عن آراء تعارض الرواية الرسمية، خوفاً من الملاحقة أو تأثر شبكاتهم العائلية والقبلية.
التمويل الخارجي لغز استقلالية المنصات المستقلة
يتطرق المشهد الإعلامي السوري إلى قضية التمويل كعامل حاسم في توجيه المضمون. وفي هذا السياق، يشير اللواء محمد عباس محمد، الخبير الاستراتيجي المقيم في دمشق، إلى أن “الجهة التي تمول وسائل الإعلام هي التي تتحكم بخطابها”.
وبينما تدير الدولة الإعلام الرسمي عبر وزارة الإعلام، تعتمد منصات مستقلة كثيرة على تمويل خارجي قادم من منظمات دولية أو جهات مانحة، مما يضع استقلاليتها التحريرية ومدى تأثر محتواها بأجندات الممولين تحت مجهر النقاش الدائم.
رؤية مستقبلية: الدعوة إلى إعلام وطني جامع
لمواجهة حالة الارتباك المجتمعي وتفكك النسيج الوطني، يشدد خبراء ومراقبون على ضرورة تبني الخطوات التالية:
-
بناء خطاب وطني جامع: يركز على الهوية السورية المشتركة ويرفض الطائفية والتحريض.
-
إصلاح البيئة القانونية: وضع ضوابط مهنية تحمي استقرار الدولة دون المساس بحريات الأفراد أو التحول إلى أداة تقييد.
-
تأسيس نظام حماية إعلامي: مظلة وطنية لمواجهة حملات التضليل والشائعات الممنهجة، والمساهمة في إعادة بناء المجتمع السوري وترميم ما دمرته سنوات الحرب الطويلة.
إقرأ أيضاً: الحريات الإعلامية في سوريا 2026: قرار منع 3 منصات يثير جدلاً واسعاً
إقرأ أيضاً: تصاعد التحريض الطائفي الرقمي في سوريا: اتهامات مستشفى تشرين وصيدنايا تثير الجدل