قرار “تقطيع السيارات” في المناطق الحرة بسوريا: إنقاذ للمستثمرين أم تحويل البلاد إلى مقبرة للخردة؟

شهد قطاع السيارات في سوريا جدلاً واسعاً عقب القرار الأخير الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، والذي يسمح للمستثمرين بإدخال السيارات المستعملة المتواجدة في دول الجوار إلى معارض السيارات في المناطق الحرة.

وفي حين اعتبر المستثمرون الخطوة طوق نجاة لرؤوس أموالهم، أثار القرار مخاوف حادة لدى تجار السيارات المحليين وخبراء الاقتصاد حول الآثار السلبية المحتملة على السوق والاقتصاد السوري.

ضوابط وشروط إدخال السيارات المستعملة للمناطق الحرة

نص قرار هيئة الجمارك على السماح بدخول السيارات المستعملة وفق شروط صارمة وضوابط محددة لمنع تسربها إلى الأسواق المحلية، وأبرزها:

  • تعهد خطي من المستثمر: يلتزم بموجبه بعدم طرح السيارات للاستهلاك المحلي، وعدم المطالبة بتسجيلها أو بيعها داخل سوريا.

  • شرعنة نشاط “قص وتقطيع السيارات”: تفعيل هذا النشاط داخل المناطق الحرة حصراً، وتحت الإشراف المباشر لإدارة الجمارك العامة والمؤسسة العامة للمناطق الحرة.

  • حظر دخول الهياكل الكاملة: منع دخول السيارات الكاملة أو الهياكل القابلة للتجميع إلى السوق السورية، مع تعهد المستثمر بعدم إعادة التجميع.

مخاوف التجار: تهديد للتجارة المحلية وخطر التهريب

أثار القرار ردود فعل متباينة في الأوساط التجارية؛ فبينما يراه مستثمرو المناطق الحرة خطوة إيجابية، عبر أحد تجار السيارات في تصريح لـ Syria One عن استيائه الشديد، محذراً من تبعات القرار: “قد يؤدي القرار إلى ظهور سيارات مقصوصة أو مجمّعة بشكل غير قانوني، أو تسريب السيارات كاملة إلى السوق المحلية عبر طرق غير مشروعة. وبما أن هذه السيارات معفاة من الرسوم الجمركية، فإن أسعارها ستكون أقل بكثير من سعر السوق، مما يهدد بقتل تجارة السيارات المحلية تماماً”.

قراءة اقتصادية: “سياسة ترقيع” وتحويل المناطق الحرة إلى ورش خردة

تعليقاً على الأبعاد الاقتصادية للقرار، أكد الخبير الاقتصادي د. شادي أحمد لـ Syria One أن هذا التوجه يحمل تناقضات حادة، واصفاً إياه بأنه “تكريس لسياسة الترقيع بدلاً من التطوير الاستثماري”.

وأوضح د. أحمد أبرز الانعكاسات السلبية للقرار في النقاط التالية:

1. شرعنة الاعتماد على “السكراب”

القرار يرسخ فكرة تحويل سوريا إلى سوق لـ “السكراب” والخردة وقطع التبديل المستعملة، بدلاً من إيجاد حلول حقيقية لاستيراد سيارات حديثة، صديقة للبيئة، وموفرة للوقود، مما يطيل أمد أزمة النقل عبر الإبقاء على أسطول سيارات متهالك يعود للثمانينيات والتسعينيات.

2. غياب معايير الأمان وزيادة حوادث السير

الاعتماد على قطع التبديل الناتجة عن قص وتقطيع السيارات يعني استمرار سير مركبات تجاوزت عمرها الافتراضي بعقود، مما يهدد سلامة المواطنين ويزيد من حوادث السير نتيجة غياب رقابة جودة صارمة على القطع المستعملة.

3. خلق “اقتصاد وهمي” ومخاوف من الفساد

يرى الخبير الاقتصادي أنه من غير المنطقي وجود معارض لسيارات يُمنع بيعها للمواطن، مما يخلق اقتصاداً وهمياً داخل المناطق الحرة لا ينعكس إيجاباً على أزمة المواصلات. وأضاف أنه رغم التعهدات الخطية، فإن الواقع العملي يثير المخاوف من تهريب وتجارة هذه الهياكل بطرق غير قانونية.

التداعيات البيئية لنشاط تقطيع السيارات

حذر د. شادي أحمد في ختام حديثه من الأثر البيئي الخطير لهذا النشاط، مشيراً إلى أن تفكيك وتقطيع السيارات ينتج عنه كميات هائلة من النفايات الصلبة، السوائل الكيميائية، الزيوت، وسوائل البطاريات والمبردات. ونوّه إلى أن القرار أغفل تماماً توضيح كيفية التعامل مع هذه المخلفات، مما قد يحوّل المناطق الحرة من واجهات استثمارية إلى ورش صناعية ملوثة طاردة للاستثمارات النوعية.

خلفية القرار: قيود سابقة على استيراد السيارات في سوريا

يذكر أن هذا القرار يأتي بعد فترة وجيزة من قرار سابق أصدرته وزارة الاقتصاد والصناعة السورية في نهاية حزيران/يونيو 2025، والذي قضى بإيقاف استيراد السيارات المستعملة بشكل شبه كامل، مع وضع استثنائيات محددة شملت:

  • الشاحنات والرؤوس القاطرة وآليات الأشغال والجرارات الزراعية (بشرط ألا يتجاوز عمرها 10 سنوات).

  • حافلات نقل الركاب الكبيرة التي تزيد على 32 مقعداً (بشرط ألا يتجاوز عمرها 4 سنوات).

إقرأ أيضاً: بشروط صارمة.. المنافذ والجمارك تسمح بإدخال السيارات المستعملة إلى المناطق الحرة

إقرأ أيضاً: طوابير تسجيل السيارات في سوريا… ازدحام متصاعد بانتظار استقرار النظام الإلكتروني

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.