تفاوت الأجور في المؤسسات الحكومية: فجوة الـ 10 أضعاف ومعايير “الولاء”
لم تعد القضية في المؤسسات السورية اليوم هي “ضعف الرواتب” بشكل عام، بل هي قضية “تفاوت طبقي” مستفز. في الدائرة الواحدة، تجد موظفاً قديماً أمضى 20 عاماً في الخدمة، يتقاضى راتباً بالليرة السورية لا يتجاوز في أحسن أحواله ما يعادل الـ 100 دولار، بينما يجلس في المكتب المقابل موظف جديد بعقد خاص يتقاضى راتباً يُحسب بالدولار، ويتجاوز الـ 800 دولار.
هذا التفاوت خلق حالة من الغل بين الموظفين، فالمعيار لم يعد الجهد المبذول أو المؤهل العلمي، أو الأقدمية، بل سعر الولاء والقرب من الدوائر الجديدة التي تدير الميزانيات، مما جعل الموظف الكفء يشعر أنه عامل بالسخرة.
وفي حديث لشبكة “داما بوست”، يقول موظف في وزارة المالية: لدي خبرة طويلة في عملي تتجاوز العشرين عاماً، والذي أتمسّك به رغم كل الضغوط والمضايقات، التي وصلت حد المطالبة بالاستقالة، لكنني أشعر بالغبن نتيجة اختلاف الرواتب، حيث أنّ أقلّ موظف إداري من الجدد يتقاضى راتباً شهرياً أعلى من راتب أي موظف حاصل على مؤهلات أكاديمية عليا، خصوصاً أن الرواتب الجديدة تمنح بناءاً على الولاء لا الكفاءة.
باحث في الشؤون الاقتصادية فضل عدم ذكر اسمه قال خلال حديثه لشبكة “داما بوست”: ما نشهده اليوم هو عملية تخريب اقتصادي مقنع، دفع رواتب بالدولار لطبقة وظيفية معينة، بينما تتقاضى الكفاءات في المؤسسة رواتب بالليرة السورية المتهالكة، يخلق تضخماً داخلياً واختلالاً في ميزان العدالة الاجتماعية.
أما اقتصادياً، الدولة التي تدفع ثمن الولاء أكثر مما تدفع ثمن الإنتاجية هي دولة تهدر مواردها؛ فهذا الموظف ذو الـ 800 دولار لا يمثل قيمة مضافة بقدر ما يستنزف السيولة، بينما الموظف الكفء الذي تم تهميشه هو الذي كان يحمي استقرار الخدمة. هذا النهج سيؤدي إلى تفريغ المؤسسات من رأس المال البشري الحقيقي، وهو خسارة لا تعوضها كل القروض أو المساعدات.
الفائض والتهجير الوظيفي:
لم يقف الأمر عند تفاوت الأجور بل وصل إلى حد إفراغ الوظائف والمؤسسات من الموظفين الكفء ولأن القوانين عجزت عن فصلهم مباشرة، فقد ابتُكرت لهم وسيلة تنكيل إدارية تحت مسمى الفائض. تُفرغ مكاتبهم، تُسحب صلاحياتهم، ويُوضعون أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما النقل إلى وزارات أخرى لا علاقة لها بتخصصاتهم، أو الخيار الأقسى وهو التهجير الوظيفي عبر النقل إلى محافظات بعيدة ونائية.
هذا الترحيل القسري يهدف في جوهره إلى دفع الموظف لتقديم استقالته طوعاً هرباً من تكاليف السفر والسكن التي تفوق راتبه بأضعاف، ليخلو الجو تماماً للوجوه الجديدة لتقاسم النفوذ والميزانيات دون رقيب أو خبير يعترض طريقهم.
خلال لقاء مع صحفي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون قال لـ “داما بوست”: “أنا صحفي مثبت في التلفزيون منذ أكثر من خمسة عشر عاماً أوقفت أنا وعدد كبير من زملائي وتم تحويلنا إلى مكتب التأهيل والتفعيل بحجة الفائض ليعاد توزيعنا في أقسام أخرى لاعلاقة لها باختصاصي كصحفي وكاتب، وبدل ذلك فرض عليّ العمل كإداري في مستودعات التلفزيون وفي الوقت نفسه تفاجأت أنا وزملائي بإعلان توظيف وشواغر للتلفزيون، بينما نحن مهمشون بحجة أننا كنا إعلاميي النظام السابق وليس موظفين في الدولة.”
العقود السنوية.. و التسريح بجرّة قلم:
تحولت العقود السنوية، التي كانت يوماً ما ضمانة استقرار آلاف العائلات، إلى ثغرة قانونية تُستخدم لتصفية الكفاءات. بمجرد انتهاء العقد، وبدلاً من التجديد التلقائي بناءً على تقييم الأداء، يجد الموظف نفسه خارج المؤسسة دون سابق إنذار أو تعويض يذكر.
فقد أنهت الحكومة السورية الانتقالية عقود آلاف الموظفين المؤقتين (عقود سنوية ومياومة) في مختلف القطاعات مع مطلع عام 2026، بناءً على القرار رقم /2533/ لعام 2025، دون تقديم مبررات فردية أو تعويضات، معتبرة ذلك إجراءً لإصلاح القطاع العام وإعادة الهيكلة، وسط استياء واسع وتداعيات إنسانية ومعيشية كبيرة.
شملت القرارات آلاف الموظفين الذين خدموا لسنوات طويلة (بعضهم بين 15-20 سنة) دون تثبيت، وتم تبليغهم بإنهاء عقودهم دون خطط دعم أو بدائل واضحة.
وكانت المبررات الحكومية أن هذه الإجراءات هي بمثابة إصلاح القطاع العام، وتقليص الترهل الإداري، وترشيد الموارد البشرية.
أدى الفصل إلى حالة قلق وعدم استقرار وظيفي كبير، حيث اعتُبر “عقوبة جماعية” تزيد من حدة الفقر والبطالة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.
أما قانونياً: يحق للجهة الإدارية إنهاء العقود المؤقتة بانتهاء مدتها، حيث تنص المادة 148 من قانون العاملين رقم 50 لعام 2004 على عدم تحول العقد المؤقت إلى دائم، ما يمنح الغطاء القانوني لهذه الإجراءات.
تقول هناء وهي موظفة إدارية بعقد سنوي (فُصلت من عملها): “أخبرونا في نهاية العام أن العقد لن يُجدد ‘لمقتضيات المصلحة العامة’. في اليوم التالي، تم تعيين فتاة قريبة لأحد المسؤولين الجدد في نفس مكتبي. هي لا تملك حتى شهادة جامعية، لكنها تتقاضى راتب خبير. نحن الذين صمدنا في أصعب الظروف، نُكافأ اليوم بالطرد لنصبح عاطلين عن العمل، والسبب هو أننا لا نملك تزكية من الجهات الجديدة.”
وحول قانونية الإجراءات المتخذة من قبل السلطة الجديدة يقول محامي مختص في القانون الإداري لـ “داما بوست”: “قانونياً، ما يحدث هو التفاف صريح على روح قانون العاملين الأساسي. استخدام بند ‘الفائض’ كأداة للعقاب أو التهجير الوظيفي هو إساءة لاستعمال السلطة. الأصل في قانون الفائض هو إعادة توزيع الكوادر لسد النقص، وليس لإبعاد الكفاءات إلى محافظات نائية لدفعهم للاستقالة. أما بخصوص العقود السنوية، فعدم تجديدها للكفاءات وإحلال وجوه جديدة مكانها فوراً يثبت أن القرار كيدي وتمييزي وليس إدارياً. نحن أمام شرعنة لـ ‘التمييز الوظيفي’، حيث تضيع حقوق الموظف في غياب القضاء الإداري المستقل الذي يستطيع الطعن في هذه القرارات التعسفية.”
تجريف المؤسسات.. من يدفع ثمن غياب الدولة؟
في النهاية، ما يحدث اليوم في كواليس المؤسسات السورية ليس مجرد “إصلاح إداري” أو إعادة هيكلة كما تروج الماكينات الإعلامية، بل هو عملية تجريف ممنهج لما تبقى من هيكل الدولة لصالح عقلية الغنائم . إن إفراغ المكاتب من العقول الخبيرة وتحويل الكفاءات إلى فائض مشتت بين المحافظات، مقابل استقطاب ولاءات تفتقر للخبرة وتتقاضى رواتب فلكية، سيؤدي حتماً إلى نتيجة واحدة: شلل كامل في الخدمات وانهيار تقني لا يمكن ترميمه بسهولة.
السؤال الذي يطرحه الشارع السوري اليوم بمرارة: هل تستطيع “الولاءات” وحدها أن تدير قطاعات الكهرباء، الصحة، والاتصالات؟ وهل تدرك الإدارة الجديدة أن بناء الدول لا يتم بـ “ترضية الموالين” بل بتمكين الكفاءات؟ إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني تدمير مستقبل الموظف السوري فحسب، بل يعني تحويل مؤسسات الدولة إلى مجرد هياكل فارغة، يدفع ثمن فشلها المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية.
إقرأ أيضاً:زيادة الرواتب في سوريا.. الحكومة تربطها بتحسن الموارد وتحذيرات من تضخم مرتقب
إقرأ أيضاً: تأخر رواتب عاملي النفط يثير تساؤلات حول آليات الإدارة والتنظيم