مرسوم العفو العام رقم 39 في سوريا يثير جدلاً دستورياً وحقوقياً واسعاً
أثار مرسوم العفو العام رقم 39 الذي أصدره الرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، موجة جدل كبيرة في الأوساط الحقوقية والسياسية السورية، وسط تساؤلات حول دستوريته، ونطاقه القانوني، وتأثيره على مسار العدالة الانتقالية في البلاد.
ويرى معارضو المرسوم أن الإشكاليات لا تتعلق فقط بصيغته القانونية، بل بالمنطق الذي يستند إليه في إغلاق ملفات الماضي، معتبرين أنه يكرّس «ذاكرة أحادية» ويمنح السلطة التنفيذية حق تقرير مسار العدالة بشكل منفرد، بعيداً عن مشاركة الضحايا أو القضاء المستقل.
دستورية مرسوم العفو العام: خرق أم صلاحية انتقالية؟
تتركز أبرز الانتقادات حول مدى توافق المرسوم مع الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025.
ويشير القانوني المعتصم الكيلاني إلى أن شرعية المرسوم تعتمد على تفسير نصوص الإعلان الدستوري، موضحاً أنه إذا كان النص يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار العفو الخاص فقط (وفق المادة 40)، فإن إصدار عفو عام بمرسوم قد يشكل تجاوزاً دستورياً، نظراً لأن العفو العام يُعد بطبيعته عملاً تشريعياً وفق المادة 30، إذ يضع قاعدة عامة ومجردة تمس السياسة الجنائية للدولة.
أما في حال كان الإعلان الدستوري قد خوّل الرئيس ممارسة السلطة التشريعية مؤقتاً بغياب مجلس تشريعي، فيمكن تكييف المرسوم كعمل له قوة القانون، لتنتقل النقاشات من شرعيته الشكلية إلى ملاءمته ومضمونه.
نطاق العفو: استثناءات واسعة وشمول مثير للجدل:
ورغم أن المرسوم استثنى جرائم التعذيب والاتجار بالأشخاص وبعض الجرائم الجسيمة، وهو ما يتماشى نظرياً مع المعايير الدولية، إلا أنه شمل كلياً أو جزئياً جنايات اقتصادية وجرائم تهريب وجرائم منصوصاً عليها في قوانين خاصة، إضافة إلى تخفيض عقوبات في جنايات خطيرة مثل السجن المؤبد.
ويحذر الكيلاني من أن عدم ربط هذا الشمول بشروط صارمة تتعلق بجبر الضرر واسترداد الأموال والتدقيق في طبيعة الجريمة قد يضعف الثقة بمؤسسات الدولة ويؤثر على مسار إعادة بناء سيادة القانون.
كما يلفت إلى أن شمول بعض جرائم السلاح أو الجرائم المنظمة دون رقابة قضائية دقيقة قد يؤدي إلى تساهل غير محسوب في قضايا تمس الأمن المجتمعي.
غموض الصياغات القانونية:
من أبرز الملاحظات المثارة حول مرسوم العفو العام استخدام عبارات عامة مثل «الجرائم الجسيمة بحق الشعب السوري»، وهي صياغات فضفاضة، بحسب منتقدين، ما لم تقترن بتعريف قانوني دقيق يحدد نطاقها بشكل واضح، لتفادي التفسيرات الانتقائية أو التطبيق غير المتكافئ.
العفو العام والعدالة الانتقالية في سوريا:
يرى مراقبون أن العفو العام قد يساهم في تخفيف الاحتقان الاجتماعي وإعادة دمج بعض الأفراد، لكنه لا يحقق العدالة الكاملة ما لم يقترن بضمانات لحقوق الضحايا، ومسار واضح للمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي.
ويؤكد خبراء قانونيون أن العدالة المتوازنة تتطلب منع الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة، مع تجنب العقاب الجماعي أو الانتقائي، وأن نجاح المرسوم مرتبط بوضوح سنده الدستوري، ودقة صياغته، وشفافية تطبيقه.
اتهامات بـ«تسييس العدالة»:
من جانبه، يرى المحامي والناشط السياسي أنس جودة أن القرار يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع بعد سنوات الحرب، وينقل العدالة من الإطار القانوني إلى الإطار السياسي، معتبراً أنه أداة لإعادة ترتيب سياسي – اجتماعي.
كما يذهب عضو «المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا» أمجد بدران إلى وصف المرسوم بأنه «معدوم»، بحجة تجاوزه للاختصاص التشريعي، معتبراً أن العفو العام يجب أن يصدر بقانون أو بمرسوم تشريعي، لا بمرسوم عادي.
ويرى منتقدون أن القرار قد يُستخدم لتخفيف الضغوط الدولية أو لإعادة تعويم السلطة سياسياً، فيما يترقب آخرون أن يسهم في الإفراج عن أكبر عدد ممكن من المعتقلين والمغيبين قسراً.
هل يمهّد المرسوم لاستقرار قانوني أم يعمّق الانقسام؟
يبقى مرسوم العفو العام رقم 39 في سوريا موضع جدل حاد بين من يعتبره خطوة نحو تهدئة الأوضاع وفتح صفحة جديدة، ومن يراه إجراءً يفتقر إلى الأساس الدستوري الكافي، وقد يؤثر سلباً على مسار العدالة الانتقالية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إقرأ أيضاً: جدل دستوري واسع في سوريا بعد مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026
إقرأ أيضاً: العفو العام الذي أصدره الرئيس الشرع في سوريا: خطوة قانونية أم خرق للإعلان الدستوري؟