تقرير حقوقي: فجوات بالعدالة الانتقالية في سوريا واستثناء لضحايا الفصائل

أصدر مركز “سيسفاير لحقوق المدنيين” و”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تقريراً حقوقياً في تشرين الأول/أكتوبر 2026، يحذر من وجود فجوة واسعة بين الخطوات المؤسسية التي اتخذتها السلطات الانتقالية في سوريا وواقع الضحايا على الأرض.

وبيّن التقرير المعنون بـ “العدالة الانتقالية في سوريا: تحديات الانتقال من الطموح إلى التطبيق على أرض الواقع” أن مسار العدالة يعاني من محدودية الموارد، وغموض الصلاحيات، وغياب آليات فعّالة للمساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف متعددة خلال النزاع.

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: صلاحيات مقيدة وعقبات مؤسسية

تطرق التقرير إلى إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم رئاسي صدر في أيار/مايو 2025، وإجرائها مشاورات ميدانية شملت 12 محافظة؛ إلا أنه أشار إلى استمرار العقبات المؤسسية التي تواجه عملها، وأبرزها:

  • محدودية الولاية: تقتصر ولاية الهيئة الحالية على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق حتى تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ما يعني استثناء ضحايا تنظيم  (داعش)، والقوات الأجنبية والميليشيات المرتبطة بها، والفصائل المسلحة غير التابعة للدولة.

  • تحديات مالية ولوجستية: تواجه الهيئة نقصاً في الموارد والوصول المحدود إلى الأدلة؛ إذ يتحمل بعض أعضائها نفقات التنقل بين المحافظات على حسابهم الشخصي، فضلاً عن عدم امتلاك مكاتب دائمة خارج دمشق وقت إجراء البحث، وضعف معرفة المجتمعات المحلية بوجودها خصوصاً في الأرياف وبين الأقليات.

  • غموض المسؤوليات: يعاني العمل من عدم وضوح توزيع المسؤوليات بين الهيئة والمؤسسات الحكومية الأخرى، ولا سيما وزارة العدل.

وفي المقابل، سجّل التقرير تقدماً ملحوظاً في حفظ الأرشيف والوثائق المرتبطة بانتهاكات النظام السابق؛ حيث نقل عن نائب وزير الداخلية، عبد القادر طحان، نجاح الوزارة في الحفاظ على نحو 90 إلى 95 في المئة من الأرشيف وإنشاء وحدة متخصصة لحفظه.

وقد استند التقرير إلى زيارات ميدانية ومقابلات أُجريت بين عامي 2025 وأيار/مايو 2026، شملت أكثر من 40 شخصاً من دمشق وريفها، حمص، حلب، الساحل، السويداء، دير الزور، والقامشلي، بالإضافة إلى سوريين في الشتات.

مخاوف “العدالة الانتقائية”: ضحايا الساحل والسويداء والجهات الأخرى

تناول التقرير مخاوف الضحايا من غياب المساءلة الفعليّة، لا سيما في أعقاب أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025 والأحداث الدامية في السويداء خلال تموز/يوليو من العام ذاته. وأوضح المشاركون في المقابلات انعدام ثقتهم بقدرة السلطات على محاسبة المسؤولين ومخاوفهم من استمرار الهجمات الطائفية التي تستهدف العلويين.

كما انتقد التقرير غياب أي مسارات مؤسسية لمحاسبة أطراف أخرى شملت القوات الروسية، والميليشيات المدعومة من إيران، والقوات التركية والفصائل التابعة لها، وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مشيراً إلى حرمان ضحايا هذه الجهات من إطار شامل للاعتراف بما تعرضوا له وجبر ضررهم.

أزمة التسويات المالية: غياب الشفافية ومخاوف الحصانة

سلط التقرير الضوء على مسار التسويات المالية الذي تديره اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع (برئاسة باسل سويدان، الذي تواجهه اتهامات بالفساد والاستيلاء على أراضي) مع شخصيات مرتبطة بحكومة الأسد السابقة، بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، بالتوازي مع مسار العدالة الانتقالية.

وتكمن إشكالية هذا المسار في عمله عبر لجنة منفصلة عن هيئة العدالة الانتقالية، ما يثير تساؤلات حول التنسيق بين استرداد الأموال ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.

وعلى الرغم من تأكيدات رئيس الهيئة، عبد الباسط عبد اللطيف، بأن التسويات لا تمنح أي شخص ارتكب جرائم عفواً أو ضمانات أمنية أو حصانة من الملاحقة الجنائية، وأن الهيئة لا تشارك في هذه الإجراءات، يرى التقرير أن هذه التأكيدات لا تكفي لتبديد المخاوف.

ويحذر التقرير من أن غياب معايير معلنة لاختيار الشخصيات المشمولة بالتسويات، والمبالغ المطلوبة منها، وطبيعة المعلومات التي يجب الكشف عنها، قد يضعف ثقة الضحايا؛ فاسترداد الأموال والمكاسب غير المشروعة لا يُغني عن كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين، مما يهدد بتحول التسويات إلى مسار مالي منفصل عن العدالة.

اقرأ أيضاً:السلاح المنفلت في سوريا: قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي ومستقبل العدالة الانتقالية

اقرأ أيضاً:كوردوني: الحل في سوريا يجب أن يكون دبلوماسياً والعدالة الانتقالية أولوية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.