لجنة الشؤون الدبلوماسية في مجلس الشعب تثير جدلاً حول دورها الرقابي
أعاد مجلس الشعب السوري الجدل بشأن دوره في الرقابة على السياسة الخارجية، بعدما أقر استحداث “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” ضمن مشروع نظامه الداخلي، وذلك بعد اعتراضات نيابية على حذف “لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين” من المسودة الأولية للنظام، في خطوة اعتبرها عدد من أعضاء المجلس تراجعاً عن الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية في الملفات الخارجية.
ومع اعتماد اللجنة الجديدة، ارتفع عدد اللجان الدائمة في مجلس الشعب إلى 25 لجنة، ومن المفترض أن تتولى اللجنة المستحدثة متابعة عمل وزارة الخارجية، ودراسة الاتفاقيات الدولية، ومناقشة السياسة الخارجية، والعلاقات البرلمانية الدولية، إضافة إلى مساءلة وزير الخارجية ورفع التوصيات إلى المجلس.
وجاء إقرار اللجنة عقب مناقشات شهدتها جلسات المجلس، إذ طالب عدد من الأعضاء بإعادة إدراج لجنة تعنى بالشؤون الخارجية بعد أن خلت منها المسودة الأولى للنظام الداخلي، معتبرين أن غيابها يحد من قدرة المجلس على ممارسة صلاحياته الرقابية في الملفات المرتبطة بالعلاقات الدولية والاتفاقيات الخارجية.
ورغم إعادة اللجنة إلى الهيكل التنظيمي للمجلس، أثار اعتماد اسم “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” بدلاً من “لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين” تساؤلات بشأن طبيعة المهام التي ستناط بها، وما إذا كانت ستقتصر على الجوانب الإدارية والفنية المتعلقة بالعمل الدبلوماسي والقنصلي، أم أنها ستمارس الدور الرقابي التقليدي على السياسة الخارجية للدولة والاتفاقيات الدولية.
كما أثار حذف اللجنة في المسودة الأولى ثم إعادة إقرارها بتسمية مختلفة نقاشاً حول مدى انعكاس ذلك على صلاحيات المجلس الرقابية، لا سيما في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية، وما تتضمنه من ملفات سياسية ودبلوماسية واقتصادية تتطلب رقابة تشريعية.
وفي هذا السياق، أكد مصدر من أعضاء مجلس الشعب، أن الجدل الذي أثير حول حذف اللجنة “مبالغ فيه”، موضحاً أن لجنة إعداد النظام الداخلي لم تُدرجها في المسودة الأولية، قبل أن تشهد جلسات المجلس مطالبات بتعديل أسماء بعض اللجان واختصاصاتها، وهو ما انتهى إلى استحداث لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية ضمن اللجان الدائمة.
من جانبه، اعتبر مدير رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، سامر ضيعي، أن استحداث اللجنة يمثل استكمالاً ضرورياً للبنية المؤسسية لمجلس الشعب، مشيراً إلى أن وجود لجنة متخصصة في هذا المجال يعد أداة أساسية لممارسة المجلس اختصاصاته الدستورية، ولا سيما فيما يتعلق بالمصادقة على المعاهدات الدولية ومراقبة أداء وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية.
وأوضح ضيعي أن اللجان البرلمانية تشكل الإطار القانوني والسياسي لدراسة الاتفاقيات الدولية ومراجعة آثارها، مؤكداً أن غياب لجنة مختصة كان سيترك المجلس يمتلك صلاحيات دستورية دون امتلاك الوسائل المؤسسية الكفيلة بممارستها بصورة فعالة.
وأضاف أن أهمية اللجنة تزداد خلال المرحلة الانتقالية، في ظل الملفات المطروحة أمام الدولة، مثل إعادة بناء العلاقات الدولية، ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار، والاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، معتبراً أن هذه القضايا تستوجب رقابة برلمانية فعلية، لا الاكتفاء بعرض الاتفاقيات على المجلس للمصادقة الشكلية.
ورأى أن إعادة إدراج اللجنة بعد النقاشات البرلمانية تعكس إمكانية تأثير الحوار داخل المجلس على صياغة النظام الداخلي، لكنه شدد على أن معيار نجاح اللجنة لن يكون في إنشائها فحسب، وإنما في مدى استقلاليتها، وقدرتها على الحصول على المعلومات، واستدعاء المسؤولين، ونشر تقاريرها بصورة منتظمة.
وفيما يتعلق بتغيير الاسم، أوضح ضيعي أن التسمية بحد ذاتها لا تحدد المركز القانوني للجنة، لأن الصلاحيات المنصوص عليها في النظام الداخلي هي التي ترسم حدود اختصاصها، إلا أن الاسم يحمل دلالات سياسية وقانونية قد تؤثر لاحقاً في تفسير نطاق عملها.
وأشار إلى أن مفهوم “الشؤون الخارجية” أكثر شمولاً من “الشؤون الدبلوماسية والقنصلية”، لأنه يشمل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والمعاهدات والمنظمات الدولية والدبلوماسية البرلمانية، بينما قد يُفهم من التسمية الجديدة التركيز على الجوانب القنصلية والبروتوكولية بصورة أكبر.
وأضاف أن تغيير الاسم قد يكون مجرد تعديل شكلي مع الإبقاء على الصلاحيات السابقة، لكنه حذر من احتمال أن يؤدي إلى تضييق اختصاص اللجنة، داعياً إلى اعتماد تسمية أكثر شمولاً أو الإبقاء على اسم “لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين”. كما لفت إلى أن حذف كلمة “المغتربين” يستوجب الانتباه، نظراً لارتباط ملايين السوريين المقيمين في الخارج بقضايا الوثائق والجنسية والملكية والعودة والحماية القنصلية، وهي ملفات يرى أنها يجب أن تبقى ضمن اختصاص اللجنة بصورة واضحة.
وأكد ضيعي أن فاعلية اللجنة تعتمد على منحها أدوات رقابية حقيقية، تشمل إلزامية إحالة جميع مشاريع المعاهدات والاتفاقيات الدولية إليها قبل عرضها على الهيئة العامة، وتمكينها من دراسة آثارها القانونية والسيادية والمالية، واستدعاء وزير الخارجية والمسؤولين المعنيين، والاطلاع على الاتفاقيات قبل توقيعها النهائي، إضافة إلى متابعة تنفيذها ومراجعة موازنة وزارة الخارجية وتنظيم عمل الدبلوماسية البرلمانية.
وشدد على أن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تكون سبباً لتقليص الرقابة البرلمانية بحجة تسريع اتخاذ القرار، معتبراً أن الرقابة المؤسسية تشكل ضمانة لشرعية الاتفاقيات والقرارات طويلة الأمد، وليس عائقاً أمام عملية إعادة بناء الدولة، مضيفاً أن الحكم النهائي على اللجنة سيبقى مرتبطاً بالنص النهائي للنظام الداخلي والصلاحيات التي سيمنحها لها.
من جهته، قال عضو مجلس الشعب ياسر الشحادة إن الجدل المثار حول اللجنة الجديدة يتجاوز حجم المسألة، موضحاً أن المجلس أقر خلال مناقشاته عدداً من اللجان الجديدة، من بينها لجان إعادة الإعمار والشهداء والملاحة، وليس لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية فقط.
وأضاف أن لجنة إعداد النظام الداخلي لم تتضمن في البداية لجنة للشؤون الخارجية، استناداً إلى رؤية اعتبرت أن الدور الأساسي للمجلس تشريعي، إلا أن غالبية الأعضاء طالبت بإضافة اللجنة، إلى جانب لجان أخرى، نظراً لارتباط التشريعات الخاصة بالسلكين الدبلوماسي والقنصلي بقضايا السوريين في الخارج، وهو ما انتهى إلى اعتمادها ضمن اللجان الدائمة.
وأوضح الشحادة أن اختصاص اللجنة ينحصر في دراسة التشريعات المتعلقة بالشؤون الدبلوماسية والقنصلية، مشيراً إلى أن الإعلان الدستوري حدد صلاحيات مجلس الشعب في المجالين التشريعي والرقابي، دون أن يمنح أي لجنة دوراً تنفيذياً.
وأضاف أن المصادقة على الاتفاقيات الدولية لا تدخل ضمن اختصاص لجنة بعينها، وإنما تعرض على مجلس الشعب بكامل أعضائه لإقرار مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة عليها، وفق الآليات الدستورية المعمول بها.
وبينما يرى مؤيدو استحداث اللجنة أنها تسد فراغاً مؤسسياً في متابعة ملفات السياسة الخارجية، يتركز الجدل حالياً حول طبيعة الصلاحيات التي ستتمتع بها وآليات ممارستها، ومدى قدرتها على تعزيز الدور الرقابي لمجلس الشعب خلال المرحلة المقبلة، وهو ما سيتضح مع صدور الصيغة النهائية للنظام الداخلي للمجلس.
اقرأ أيضاً:انعقاد مجلس الشعب السوري وجدل المرحلة الانتقالية: بين بناء المؤسسات وطرح قانون الأحزاب