بين الطرق المتعثرة والمشاريع الخدمية.. كيف ترتب الحكومة أولويات الإنفاق؟
تواجه الحكومة السورية تحدياً متزايداً في إدارة أولويات الإنفاق على البنية التحتية، في ظل اتساع حجم الأضرار التي خلفتها سنوات النزاع، ومحدودية الموارد المالية، والحاجة إلى إعادة تأهيل شبكات الطرق والخدمات الأساسية في مختلف المحافظات. ويبرز هذا التحدي مع تصاعد المطالب بتوجيه الموارد نحو المشاريع الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على حياة السكان والاقتصاد، مقابل استمرار تنفيذ مشاريع خدمية وتجميلية يرى بعض المتابعين أنها لا تمثل أولوية في المرحلة الحالية.
وأعاد حادث السير الذي وقع أخيراً على طريق دمشق–دير الزور، وأودى بحياة 35 شخصاً وأصاب 35 آخرين من المدنيين والعسكريين، تسليط الضوء على واقع الطرق الرئيسية في البلاد، وأثار نقاشاً حول سرعة تنفيذ مشاريع التأهيل، وآليات توزيع الموارد بين البنية التحتية الأساسية والمشاريع الخدمية الأخرى.
طريق استراتيجي ينتظر التنفيذ
عقب الحادث، أعلنت وزارة النقل أن مشروع إعادة تأهيل طريق دمشق–دير الزور وصل إلى مراحله النهائية لاختيار المتعهد، على أن تبدأ الأعمال خلال شهر، مع تقدير مدة التنفيذ بنحو عامين.
وقال وزير النقل يعرب بدر إن المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية كانت قد طرحت مناقصة المشروع قبل وقوع الحادث بنحو شهر، مؤكداً إدراج الطريق ضمن أولويات خطة إعادة تأهيل شبكة الطرق.
وأوضح مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، أن المشروع يمتد على مسافة 425 كيلومتراً، ويشمل إعادة تأهيل الطريق الحالي وإنشاء طريق جديد موازٍ له، إضافة إلى معالجة المواقع التي تشهد معدلات مرتفعة من الحوادث، واستكمال عناصر السلامة المرورية، على أن تبدأ أعمال صيانة الطريق المستخدم حالياً خلال عام 2026.
ورغم الإعلان، لم تكشف الوزارة عن تفاصيل تتعلق بإنجاز الدراسات الفنية أو مصادر التمويل أو الجدول الزمني الخاص بكل مقطع من المشروع، كما لم توضح ما إذا كانت ستباشر بإجراءات إسعافية مؤقتة، مثل توسيع الأكتاف أو تحسين الإشارات المرورية في المواقع الخطرة قبل بدء التنفيذ الكامل.
كما ظهرت تباينات في تقديرات تكلفة المشروع، إذ أشارت تصريحات رسمية إلى كلفة تقارب 300 مليون دولار، بينما تحدثت وسائل إعلام رسمية عن خطة تصل قيمتها إلى نحو 500 مليون دولار، دون توضيح ما إذا كان الرقم الأخير يخص المشروع ذاته أم يشمل مشاريع طرق أخرى.
أولويات الإنفاق تحت النقاش
ولا يقتصر النقاش على حجم التمويل المطلوب، بل يمتد إلى كيفية توزيع الموارد العامة، في وقت شهدت فيه مدن سورية تنفيذ أعمال تطوير في عدد من الساحات والدوارات، مثل دوار الليرمون في حلب وساحة الأمويين في دمشق، بالتزامن مع استمرار تدهور عدد من الطرق الرئيسية التي تربط المحافظات.
ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن القضية لا تتعلق فقط بندرة الموارد، بل أيضاً بطريقة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
وقال الكريم إن الحكومة، بحسب تقديره، لم تطرح حتى الآن خطة اقتصادية متكاملة تحدد أولويات الاستثمار بصورة واضحة، معتبراً أن هناك تفاوتاً بين الإنفاق على مشاريع البنية التحتية الإنتاجية والإنفاق على مشاريع خدمية ذات طابع رمزي.
وأضاف أن الأولوية الحالية تبدو، من وجهة نظره، مرتبطة بالطرق التي تخدم الاستثمارات المستقبلية، أكثر من التركيز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الحيوية بشكل شامل.
وفي المقابل، لم تصدر الحكومة توضيحات تفصيلية بشأن الأسس التي تعتمدها في ترتيب أولويات الإنفاق بين مشاريع البنية التحتية المختلفة أو آليات المفاضلة بينها.
انعكاسات اقتصادية تتجاوز السلامة
لا يقتصر تأثير تدهور طريق دمشق–دير الزور على السلامة المرورية، إذ يعد الطريق أحد أهم محاور نقل البضائع والمحروقات والمنتجات الزراعية، كما يشكل ممراً رئيسياً لحركة التجارة مع العراق.
ويشير الكريم إلى أن استمرار تراجع حالة الطريق يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والصيانة والتأمين، ويزيد زمن وصول البضائع إلى الأسواق، وهو ما ينعكس على أسعار السلع ويؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد.
كما يرى أن ضعف البنية التحتية يحد من جاذبية المنطقة للاستثمارات في قطاعات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، ويؤخر تنفيذ مشاريع اقتصادية يمكن أن تسهم في تنشيط الحركة التجارية.
ويضيف أن تأخر الاستثمار في البنية الأساسية ينعكس أيضاً على الخدمات العامة، من خلال صعوبة وصول الكوادر الطبية والمساعدات الإنسانية إلى المناطق الشرقية، بما يعمق الفجوة التنموية بينها وبين بقية المحافظات.
تحديات التمويل والتنفيذ
وحول قدرة الحكومة على تنفيذ مشروع بهذا الحجم، يرى الكريم أن إنشاء طريق جديد بالكامل يتطلب تمويلاً كبيراً قد يصعب توفيره في الظروف الحالية، مرجحاً اللجوء إلى المنح الدولية أو نماذج الشراكة مع القطاع الخاص أو الصندوق السيادي لتأمين التمويل.
وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن بعض الإجراءات العاجلة، مثل توسيع حرم الطريق، وتحسين عناصر السلامة، وصيانة الأجزاء الأكثر تضرراً، يمكن تنفيذها بتكاليف أقل، وقد تسهم في الحد من الحوادث إلى حين إنجاز المشروع.
مطالب بتعزيز إجراءات السلامة
من جانبه، حمّل المحامي جلال الحمد الحكومة مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من الحوادث المتكررة على طريق دمشق–دير الزور، معتبراً أن خطورة الطريق معروفة منذ سنوات، في ظل ازدياد حركة التنقل بين المحافظتين لأغراض العلاج والتعليم والعمل.
وأشار إلى أن الطريق يشهد بصورة متكررة حوادث مميتة، داعياً إلى اتخاذ خطوات عملية تمنع تكرارها، ومعتبراً أن بيانات التعزية وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلة.
وعقب الحادث، أعلنت الحكومة تشكيل لجنة مشتركة تضم عدداً من الوزارات للتحقيق في أسباب الحادث ومراجعة واقع طرق البادية، دون إعلان نتائج أعمال اللجنة حتى الآن.
أزمة بنية تحتية تتجاوز الطرق
ولا تنحصر التحديات الخدمية في محافظة دير الزور بشبكة الطرق، إذ كشفت الفيضانات التي شهدتها المحافظة خلال شهري أيار وحزيران 2026 عن أضرار واسعة طالت الجسور والمعابر ومحطات المياه، وأثرت في حركة التنقل والخدمات.
وتعاني المحافظة منذ سنوات من خروج 19 جسراً عن الخدمة نتيجة الحرب، ما دفع السكان إلى الاعتماد على العبارات النهرية لعبور نهر الفرات.
وفي 12 تموز الماضي، انقلبت عبارة كانت تقل أكثر من 35 شخصاً بعد تعطل محركها، لترتفع حصيلة الضحايا لاحقاً إلى سبعة قتلى، بينهم خمسة أطفال.
وخلال أزمة الفيضانات، اتخذت الجهات الحكومية إجراءات طارئة شملت إجلاء السكان، وتعزيز السواتر الترابية، ونشر فرق الطوارئ، وإنشاء مراكز إيواء، وتأمين المياه عبر الصهاريج، بالتعاون مع منظمات دولية.
لكن تقريراً لمنظمة اليونيسف أشار إلى أن 46 محطة لمعالجة المياه في دير الزور بقيت خارج الخدمة حتى السابع من حزيران، بما في ذلك محطة الفرات التي كانت توفر مياه الشرب لنحو 400 ألف شخص، وهو ما يعكس استمرار التحديات في قطاع البنية التحتية رغم التدخلات الإسعافية.
الحاجة إلى استراتيجية واضحة
يرى الكريم أن معالجة هذا الملف تتطلب اعتماد معايير واضحة لترتيب الأولويات، تقوم على تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات، وإعطاء الأولوية للطرق الاستراتيجية وشبكات الكهرباء والمياه، بالتوازي مع تحسين إجراءات السلامة المرورية.
كما يدعو إلى تنفيذ أعمال الصيانة على مراحل متزامنة مع إنشاء الطريق الجديد، ونشر تفاصيل التمويل، والجهة المنفذة، ونسب الإنجاز، بما يعزز الشفافية ويتيح متابعة تقدم المشروع.
وبينما تؤكد الحكومة أن إعادة تأهيل شبكة الطرق تمثل أولوية ضمن خططها الحالية، يرى مختصون أن نجاح هذه الجهود سيقاس بقدرتها على تحويل الإعلانات إلى مشاريع منفذة، وتوجيه الموارد نحو البنية التحتية الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين والنشاط الاقتصادي، ضمن رؤية واضحة توازن بين الاحتياجات العاجلة ومتطلبات التنمية على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً:احتجاجات في دير الزور للمطالبة بتحسين الخدمات وإنهاء التهميش