فوضى بيع الأدوية النفسية في سوريا.. سوق مفتوح للإدمان وسط غياب رقابة فعّالة وانهيار الضوابط الطبية
تتفاقم في سوريا ظاهرة صرف الأدوية النفسية والمخدرة دون وصفات طبية، في مشهد يعكس هشاشة الرقابة الدوائية واتساع الفجوة بين القوانين المعلنة والتطبيق الفعلي داخل الصيدليات، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية تدفع مرضى كُثراً إلى البحث عن حلول سريعة خارج الإطار الطبي الرسمي، ما يفتح الباب أمام مسارات إدمان خطرة تهدد الصحة العامة.
الأدوية النفسية بين الحاجة والاعتياد خارج الإشراف الطبي
يلجأ كثير من المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو آلام مزمنة إلى شراء أدوية مهدئة أو منومة مباشرة من الصيدليات دون مراجعة طبيب، في وقت يجري فيه صرف بعض هذه الأدوية فعلياً من دون وصفات نظامية، رغم تصنيفها ضمن الأدوية الخاضعة للرقابة.
هذا الواقع، وفق صيدليين، لا ينفصل عن كلفة الاستشارات الطبية المرتفعة، التي تدفع شريحة واسعة من المرضى إلى تجاوز النظام الصحي الرسمي، والاعتماد على الصيدليات كمصدر علاجي مباشر، بما يحمله ذلك من مخاطر تراكمية على المدى الطويل.
الاقتصاد يفتح الباب أمام الاستهلاك غير المنضبط
يقول صيدلي في حلب إن ارتفاع تكلفة المعاينة الطبية، والتي قد تتجاوز 100 ألف ليرة سورية، جعل مراجعة الطبيب خياراً ثانوياً لدى كثير من المرضى، ما ينعكس مباشرة على أنماط صرف الدواء.
في المقابل، تؤكد صيدلانية في إدلب أن بعض الصيادلة يتعاملون مع الأدوية النفسية كسلعة ذات هامش ربح مرتفع، مستغلين حاجة بعض المرضى أو المدمنين للحصول على الدواء بأي ثمن، ما يكرّس سوقاً موازية خارج الضوابط الرسمية.
وصفات مزورة وسوق رمادية للدواء
لا يتوقف الخلل عند حدود الصرف غير النظامي، بل يمتد إلى استخدام وصفات طبية مزورة أو قديمة، أحياناً بختم طبي رسمي يتم الحصول عليه بطرق غير قانونية، مقابل مبالغ مالية، ما يصعّب عملية الكشف ويزيد من تعقيد الظاهرة.
وتشير شهادات صيدليين إلى أن بعض المؤشرات السلوكية للمراجعين، مثل الإلحاح أو طلب جرعات مرتفعة، تكشف في أحيان كثيرة وجود حالة إدمان أو محاولة للحصول على الدواء بطرق غير مشروعة.
رقابة رسمية محدودة بين النص والتطبيق
رغم تأكيد وزارة الصحة أن صرف الأدوية النفسية والمخدرة لا يتم إلا بوصفات طبية نظامية، فإن الواقع يشير إلى وجود فجوة في التطبيق، مع استمرار تسجيل مخالفات تتعلق بعدم تدوين بعض الأدوية في السجلات الخاصة أو صرفها خارج الأطر القانونية.
وتؤكد الجهات الصحية تنفيذ جولات تفتيشية وعقوبات قد تصل إلى إغلاق الصيدليات المخالفة، إلا أن استمرار الظاهرة يعكس، بحسب مراقبين، محدودية الأثر الردعي لهذه الإجراءات.
إدمان يتجاوز الفرد إلى المجتمع
يحذر مختصون في الصحة النفسية من أن إساءة استخدام هذه الأدوية لا تقتصر على البعد الصحي، بل تمتد إلى انعكاسات اجتماعية واقتصادية، تشمل تغيرات سلوكية حادة، وتراجع القدرة على العمل، واضطراب العلاقات الأسرية، وصولاً إلى حالات تفكك اجتماعي في بعض الحالات المرتبطة بالإدمان المزمن.
كما يشيرون إلى أن التغيرات الكيميائية في الدماغ الناتجة عن الاستخدام المتكرر قد تدفع إلى سلوكيات خطرة، ما يجعل الظاهرة قضية صحة عامة بامتياز وليست مجرد مخالفة مهنية.
حلول معلنة وأزمة مستمرة
في المقابل، تعلن وزارة الصحة عن توجه لتعزيز الرقابة وتطوير أنظمة تتبع إلكترونية، إلى جانب العمل على تأسيس هيئة وطنية للدواء، بهدف ضبط السوق الدوائية وتنظيم عمليات الصرف.
لكن رغم هذه الخطط، يبقى الواقع على الأرض أكثر تعقيداً، مع استمرار العوامل الاقتصادية وضعف الالتزام في بعض الصيدليات، ما يجعل ملف الأدوية النفسية واحداً من أكثر الملفات الصحية حساسية وتشابكاً في سوريا اليوم، بين الحاجة للعلاج وخطر الانزلاق نحو الإدمان غير المنضبط.
اقرأ أيضاً: أزمة صناعة الأدوية في سوريا: تاميكو بين الإغلاق المؤقت والخطط الطارئة