ارتفاع تكاليف الزراعة يقلص المساحات المزروعة في سوريا ويضغط على الأمن الغذائي

تتراجع المساحات المزروعة في عدد من المناطق السورية مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، مدفوعة بغلاء المحروقات والبذار والأسمدة والأدوية والمبيدات، إلى جانب صعوبات تسويق بعض المحاصيل وتأخر سداد مستحقات المزارعين، ما يدفع بعضهم إلى تقليص نشاطه الزراعي أو الاتجاه إلى محاصيل أقل كلفة.

ويأتي ذلك بعد رفع الحكومة سعر مادة المازوت، التي يعتمد عليها جزء كبير من العمليات الزراعية، ولا سيما في الأراضي المروية. ويحذر مزارعون وخبراء من أن استمرار ارتفاع التكاليف قد ينعكس على حجم الإنتاج المحلي وأسعار المواد الغذائية وحاجة البلاد إلى الاستيراد.

تكاليف الإنتاج تدفع مزارعي حلب إلى تقليص الزراعة

في ريف حلب، وضع مزارعون ارتفاع تكاليف الإنتاج في مقدمة أسباب خفض المساحات المزروعة، مشيرين إلى زيادة أسعار الوقود ومستلزمات الزراعة، من بذار وأسمدة وأدوية ومبيدات حشرية.

وقال مزارع القمح محمد الحسن إن إيجارات الأراضي الزراعية انخفضت هذا العام بنسبة تراوح بين 30 و40 بالمئة مقارنة بالموسم الماضي، معتبراً أن ذلك يرتبط بإحجام عدد من المزارعين عن دخول الموسم الجديد بعد الخسائر التي تكبدوها خلال الموسم السابق.

وأوضح الحسن أن ارتفاع كلفة الإنتاج دفع غالبية المزارعين، بحسب تقديره، إلى البحث عن مصادر دخل أخرى خارج القطاع الزراعي، رغم مساهمة الزراعة في الناتج المحلي السوري وأهميتها بالنسبة إلى الاقتصاد المحلي.

ويشير الحسن أيضاً إلى مشكلة تسويق القمح وتأخر الحكومة في دفع ثمن المحصول، معتبراً أن استمرار هذه المشكلة يزيد الضغوط على المزارعين الذين يعانون أصلاً من تراكم الديون.

القنيطرة: المحروقات والكهرباء تزيد أعباء الزراعة المروية

وفي القنيطرة، قال رئيس اتحاد فلاحي المحافظة المهندس عبد الرحمن خلف لموقع “عربي21” إن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع انخفاض أسعار بعض المحاصيل، وخصوصاً الخضروات، ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين.

وأضاف أن المزارعين يواجهون كذلك قيوداً مرتبطة بانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وفق ما أورده المسؤول الفلاحي.

وأشار خلف إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات يضيف عبئاً جديداً إلى تكاليف الإنتاج، خصوصاً في الزراعة المروية التي تعتمد على المازوت والكهرباء، معتبراً أن ارتفاع كلفة تشغيلها يساهم في تراجع المساحات المزروعة خلال الموسم الحالي.

القطن في دير الزور يقترب من الغياب

ولا يقتصر تراجع المساحات المزروعة على القمح والمحاصيل الأخرى، إذ سجلت زراعة القطن في دير الزور تراجعاً كبيراً خلال المواسم الأخيرة.

ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن رئيس اتحاد الفلاحين في دير الزور حمد عبود الخضر قوله إن نسبة الأراضي المزروعة بالقطن خلال عام 2025 لم تتجاوز 10 بالمئة، بينما تكاد زراعة المحصول تكون معدومة خلال الموسم الحالي.

وبحسب الخضر، يرتبط هذا التراجع بارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل الصعوبات التي تواجه المزارعين في تأمين مستلزمات الموسم.

محاصيل أقل كلفة بديلاً عن القمح

ويشير المهندس الزراعي سعد محمد إلى مجموعة من العوامل التي وصفها بـ”الطارئة” وأسهمت في تقليص المساحات المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية.

وقال محمد لـ”عربي21″ إن المزارعين اتجهوا إلى زراعات أقل كلفة بهدف الحد من الخسائر، إلا أن هذا التحول قد يؤثر في الخطة الزراعية وفي قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الاحتياجات الغذائية.

وأوضح أن صعوبات تسويق القمح، إلى جانب تأخر الحكومة في دفع قيمته للمزارعين، دفعت بعضهم إلى استبداله بمحاصيل يرى أنها أقل تكلفة، مثل الكمون والحبة السوداء واليانسون.

ويضاف إلى ذلك، وفق محمد، عامل آخر يتعلق بالظروف المناخية، إذ يخشى مزارعون من تكرار الفيضانات خلال الموسم الحالي، بعدما غمرت مياه الأنهار والأودية والسيول مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الموسم الماضي نتيجة غزارة الهطولات المطرية.

تراجع الزراعة يرفع كلفة الغذاء والاستيراد

ويرى الباحث والخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن انخفاض المساحات المزروعة يمكن أن يترك آثاراً على الاقتصاد السوري، تبدأ من تراجع الإنتاج المحلي وقد تمتد إلى أسعار المواد الغذائية.

وقال الدبس إن انخفاض المعروض من الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية وزيادة الحاجة إلى الاستيراد، وهو ما يعني بدوره زيادة الطلب على القطع الأجنبي.

وأضاف أن تراجع النشاط الزراعي ينعكس أيضاً على قطاعات مرتبطة به، مثل النقل والتخزين والمطاحن وتجارة الأسمدة والبذار والآليات والصناعات الغذائية.

وبحسب الدبس، فإن زيادة الاعتماد على الخارج لتأمين الغذاء تجعل الأمن الغذائي السوري أكثر ارتباطاً بالظروف والتجاذبات السياسية المحيطة.

موسم قمح جيد لا يحسم مشكلة الأمن الغذائي

وفي المقابل، يشير الدبس إلى أن سوريا سجلت خلال موسم 2026 ارتفاعاً في إنتاج القمح، إذ بلغت الكميات المستلمة نحو 2.7 مليون طن، مقابل احتياجات سنوية مقدرة بنحو 2.55 مليون طن، فيما طُرح جزء من الفائض للبيع.

لكنه يرى أن تحسن الإنتاج خلال موسم واحد لا يعني انتهاء مشكلة الأمن الغذائي، لأن استمرار الإنتاج يرتبط بقدرة المزارعين على تمويل الموسم التالي وتحقيق عائد يسمح لهم بمواصلة الزراعة.

ويعتبر الدبس أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج، من دون وجود حوافز اقتصادية كافية، قد يجعل قدرة المزارع على الاستمرار في النشاط الزراعي أكثر صعوبة.

تمويل الموسم قبل بدايته

ويقترح الدبس مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها ضرورية لتقليل الضغوط على القطاع الزراعي، في مقدمتها توفير التمويل قبل بدء الموسم بدلاً من تأجيله إلى نهايته.

كما يدعو إلى إعادة تفعيل التمويل الزراعي بشروط وفوائد مناسبة، وتوفير قروض قصيرة الأجل مرتبطة بالمحاصيل، بما يساعد المزارعين على تأمين احتياجاتهم خلال فترة الإنتاج.

ويشمل المقترح أيضاً ربط أسعار شراء المحاصيل بتكاليف إنتاجها، وضمان وصول مستلزمات الزراعة إلى المزارعين في الوقت المناسب، وتسريع دفع مستحقاتهم المالية.

كما يدعو الدبس إلى الانتقال تدريجياً من الدعم العشوائي إلى ما يصفه بـ”الدعم الذكي”، عبر توجيه المساندة إلى عناصر الإنتاج التي ترفع الإنتاجية، مثل دعم المازوت المستخدم في الري، والبذار المحسن، والأسمدة، وتقنيات الري الحديث.

ويخلص الدبس إلى أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تتمثل في عدم رغبة المزارع السوري في الزراعة، وإنما في تراجع الجدوى الاقتصادية للنشاط الزراعي، معتبراً أن حماية الموسم الزراعي المقبل تتطلب أن تكون ضمن أولويات السياسة الاقتصادية السورية.

اقرأ أيضاً:معاصر الزيتون في طرطوس أمام شروط جديدة.. موسم وفير يصطدم بتعقيدات الترخيص

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.