تحلية المياه في سوريا.. مشروع ضخم يبدأ بالدراسات وعجز مائي يتفاقم
وقّعت وزارة الطاقة اتفاقية لإعداد الدراسات الأولية لمشروع تطوير منظومة متكاملة لمصادر المياه والتحلية ونقلها في سوريا، بالتعاون مع شركة “أكوا باور” وشركة نقل المياه الوطنية السعودية “WTCO”، وبمشاركة شركة “Fichtner” الألمانية مستشاراً فنياً.
المشروع يطرح طموحاً كبيراً في بلد يتحول فيه الحصول على مياه الشرب في عدد من المناطق إلى مشكلة يومية. لكن اللافت أن الخطوة الحالية لا تتجاوز مرحلة الدراسات، بينما يبقى العجز المائي قائماً، وتستمر الشبكات القديمة والآبار المتراجعة ومحطات الضخ المتعثرة في إنتاج الأزمة نفسها.
1.2 مليون متر مكعب يومياً قيد الدراسة
بحسب وزارة الطاقة، ستبحث الدراسات إمكانية تطوير منظومة قادرة على تحلية ونقل ما يصل إلى 1.2 مليون متر مكعب من المياه يومياً، إلى جانب شبكة نقل تمتد لنحو 400 كيلومتر.
وتتضمن الدراسة تقييم الموارد السطحية والجوفية، وحجم العجز الحالي والمتوقع، وتحديد المزيج الأنسب بين تحلية مياه البحر والمصادر التقليدية، تمهيداً لاتخاذ قرار استثماري وتنفيذي بشأن المشروع.
الأرقام تبدو ضخمة بما يكفي لتقديم صورة عن مشروع وطني طويل الأمد، لكن الطريق بين الدراسة والتنفيذ ليس قصيراً، ولا سيما في قطاع يحتاج إلى استثمارات هائلة في محطات التحلية والطاقة وخطوط النقل والصيانة.
أزمة أقدم من المشروع
تأتي الاتفاقية فيما تعاني مناطق سورية عدة من تقنين طويل للمياه وضعف الضخ وخروج الآبار ومحطات المياه عن الخدمة، بينما تعتمد أسر في بعض المناطق على الصهاريج والآبار الخاصة لتأمين احتياجاتها.
وتكشف هذه المفارقة ضعفاً واضحاً في إدارة ملف المياه: الحكومة الانتقالية تتحدث عن منظومة استراتيجية تنقل ملايين اللترات، فيما لا تزال مشكلات محلية أبسط تنتظر معالجة مستمرة، من أعطال المضخات إلى تهالك الشبكات والاستجرار غير المشروع واستنزاف المياه الجوفية.
ولا يكفي أن تضخ سوريا كميات أكبر من المياه إذا بقي جزء منها مهدوراً في شبكة متعبة أو وصل إلى المناطق السكانية بطريقة غير متوازنة.
اختبار التنفيذ لا توقيع الاتفاقية
تمثل الدراسات خطوة ضرورية لأي مشروع بهذا الحجم، لكنها ليست إنجازاً نهائياً. فالنجاح سيقاس لاحقاً بمقدار ما يتحول من الأرقام والدراسات إلى محطات وخطوط مياه تعمل فعلياً وتصل إلى السكان.
وتحتاج الحكومة الانتقالية، قبل الحديث عن منظومة وطنية للتحلية، إلى معالجة نقاط الضعف القائمة في شبكات التوزيع، وتأهيل محطات الضخ، وحماية الأحواض الجوفية، وتقليل الفاقد، وربط مشاريع المياه بسياسة طاقة قادرة على تشغيلها باستمرار.
كما أن الاعتماد على التمويل والخبرة الخارجية قد يكون ضرورياً في مشروع بهذا الحجم، لكنه يضع التنفيذ أيضاً أمام أسئلة التمويل والكلفة النهائية وآلية استرداد الاستثمار وتأثيرها مستقبلاً في أسعار الخدمة.
في بلد ما زالت فيه المياه تصل إلى بعض المنازل بدور متباعد، تبدو منظومة التحلية والنقل الممتدة لمئات الكيلومترات وعداً بعيداً أكثر منه حلاً حاضراً.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية ألا تتحول الاتفاقية إلى محطة جديدة في سلسلة المشاريع التي تبدأ بالإعلان، ثم تطول مرحلة الدراسات، بينما تستمر الأزمة التي يفترض أن تعالجها.
اقرأ أيضاً: تضرر أكثر من 60% من البنية التحتية لقطاع المياه في سوريا