أزمة استبدال العملة في الحسكة.. مركز واحد وسوق الصرافة بسعرين للدولار

تدخل محافظة الحسكة المرحلة الأخيرة من مهلة استبدال الليرة السورية القديمة بالفئات الجديدة وسط حالة من الارتباك بين المواطنين، في ظل محدودية مراكز الاستبدال وتأخر انطلاق العملية مقارنة بمحافظات أخرى، ما أدى إلى ازدحام كبير أمام المركز الوحيد المخصص للعملية، ودفع بعض السكان إلى البحث عن بدائل لحماية مدخراتهم.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها مصرف سوريا المركزي، تحولت أزمة الاستبدال في الحسكة إلى أزمة اقتصادية أوسع، بعد ارتفاع الطلب على الدولار وظهور فروقات في سعر الصرف بين من يحملون الليرة القديمة ومن يستخدمون الفئات الجديدة، وسط شكاوى من غياب الرقابة على عمليات التصريف.

ويقول مواطنون إن ضيق الوقت وصعوبة الوصول إلى مراكز الاستبدال دفعت بعضهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملة القديمة وشراء الدولار، رغم الخسائر التي قد تترتب على ذلك، خشية عدم تمكنهم من استبدال أموالهم قبل انتهاء المهلة.

مركز واحد أمام آلاف المراجعين

تتركز عمليات استبدال العملة في الحسكة داخل مركز واحد فقط، وهو مركز البريد في مدينة الحسكة، الذي بدأ استقبال طلبات المواطنين في 21 من حزيران الماضي، بعد فترة من بدء العملية في عدد من المحافظات السورية.

وأدى اقتصار الخدمة على هذا المركز إلى ازدحام كبير خلال الأيام الأخيرة، مع ارتفاع أعداد المراجعين الراغبين في استبدال أموالهم قبل انتهاء المهلة المحددة.

وقال محمد العبد الله، أحد سكان مدينة الحسكة، إن محاولاته لاستبدال كامل المبلغ الذي يملكه لم تنجح حتى الآن، رغم مراجعته المركز أكثر من مرة خلال الأسبوع الأخير.

وأضاف أن أعداد المراجعين الكبيرة وصعوبة تنظيم الدور جعلت العديد من المواطنين ينتظرون لساعات طويلة دون ضمان إتمام معاملاتهم، مشيرًا إلى أن جزءًا من أمواله لا يزال بالعملة القديمة مع اقتراب انتهاء الفترة المحددة.

السفر إلى دمشق خيار صعب

وبحسب تعليمات مصرف سوريا المركزي، تنتهي مهلة تداول الفئات القديمة في 30 من تموز الجاري، على أن تقتصر عمليات الاستبدال بعد ذلك على مقر المصرف المركزي في دمشق، وفق إجراءات سيتم الإعلان عنها لاحقًا.

ويشكل ذلك تحديًا إضافيًا لسكان الحسكة، في ظل استمرار توقف فروع المصرف المركزي في المحافظة، ما يعني اضطرار من لم يتمكنوا من استبدال أموالهم إلى التوجه نحو العاصمة لإتمام العملية.

وقال عبد الكريم الحسين، وهو تاجر من ريف الحسكة الجنوبي، إن السفر إلى دمشق لا يمثل حلًا عمليًا لكثير من السكان بسبب تكاليف النقل والإقامة، التي قد تستهلك جزءًا من قيمة المبلغ المراد استبداله.

وأضاف أن هذه الظروف دفعت بعض التجار والمواطنين إلى التخلص من العملة القديمة عبر تحويلها إلى الدولار، حتى مع تحمل خسائر نتيجة فرق الأسعار.

الدولار بسعرين في السوق

مع تزايد المخاوف من انتهاء المهلة، ارتفع الإقبال على شراء الدولار في الحسكة باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات، إلا أن هذا الطلب أدى إلى ظهور فروقات جديدة في سوق الصرافة.

وبحسب متعاملين في السوق، بدأ بعض الصرافين اعتماد سعرين مختلفين للدولار، أحدهما مقابل الليرة السورية الجديدة والآخر مقابل الليرة القديمة.

وسجل سعر الدولار، الثلاثاء 28 من تموز، نحو 13900 ليرة سورية جديدة، مقابل نحو 14300 ليرة سورية قديمة، بفارق يصل إلى 400 ليرة للدولار الواحد.

ويعني ذلك أن حاملي العملة القديمة يتكبدون خسارة إضافية عند تحويل أموالهم إلى الدولار، نتيجة الفارق السعري الذي ظهر خلال فترة الاستبدال.

وقالت خرمة أحمد، وهي ربة منزل من مدينة الحسكة، إنها لجأت إلى شراء الدولار بعد فقدان الأمل في الحصول على دور داخل مركز البريد.

وأوضحت أنها فضلت تحويل مدخراتها رغم الخسارة الناتجة عن فرق السعر، خشية فقدان قيمة الأموال القديمة بعد انتهاء المهلة، مشيرة إلى أن عددًا من الأسر اتخذت الخيار نفسه خلال الأيام الماضية.

سوق موازية وسط غياب الرقابة

يرى الخبير الاقتصادي مهند العبد الله أن مشكلة استبدال العملة في الحسكة لم تتوقف عند صعوبة الإجراءات، بل أدت إلى ظهور سوق موازية داخل سوق الصرافة نفسها.

وأوضح أن ارتفاع الطلب على الدولار جاء نتيجة رغبة المواطنين في حماية مدخراتهم بعد تعثر عمليات الاستبدال، مشيرًا إلى أن الفروقات بين سعر الدولار مقابل العملة القديمة والجديدة تعكس اضطرابًا في السوق أكثر مما تعكس تغيرًا حقيقيًا في قيمة العملة.

وأضاف أن بعض المتعاملين استفادوا من عامل الوقت ومخاوف المواطنين، في ظل ضعف الرقابة على عمليات التصريف، ما أدى إلى تحميل المواطنين تكلفة إضافية خلال فترة حساسة.

وأشار إلى أن فارق 400 ليرة في سعر الدولار قد يمثل خسارة كبيرة لمن يملكون مبالغ نقدية كبيرة بالعملة القديمة، خصوصًا مع تكرار عمليات التحويل.

تأخر العملية وتعقيدات المحافظة

ويربط العبد الله تأخر عملية الاستبدال في الحسكة بالظروف الإدارية والمصرفية الخاصة بالمحافظة، موضحًا أن معظم المحافظات استفادت من وجود شبكة من المصارف ومراكز متعددة منذ بداية العملية.

وأشار إلى أن بدء الخدمة في الحسكة عبر مركز البريد فقط في أواخر حزيران أدى إلى تقليص الفترة المتاحة أمام المواطنين، ما تسبب بتراكم الطلب خلال الأيام الأخيرة.

ويرى أن زيادة عدد مراكز الاستبدال منذ بداية العملية كان يمكن أن تخفف الضغط وتحد من ظهور السوق الموازية.

واقع مصرفي مختلف

وتعد الحسكة من المحافظات الأكثر تأثرًا بعملية استبدال العملة بسبب واقعها الإداري والمصرفي المختلف عن بقية المحافظات.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، شهدت المحافظة تغيرات في إدارة المؤسسات الحكومية، مع استمرار توقف عدد من الدوائر المالية والمصرفية، في وقت بقيت فيه مدينتا الحسكة والقامشلي وأجزاء من ريفهما تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية”.

ورغم الإعلان عن اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني الماضي بشأن دمج المؤسسات وإعادة تفعيلها تدريجيًا، لم تؤدِ الخطوات المعلنة حتى الآن إلى إعادة تشغيل المؤسسات المصرفية الحكومية في المحافظة، ما جعل مركز البريد المنفذ الأساسي لعملية الاستبدال.

تمديد المهلة والبحث عن حلول

وكان مصرف سوريا المركزي قد مدد في 31 من أيار الماضي مهلة استبدال الفئات النقدية القديمة حتى 30 من تموز، واعتبرها “الفرصة الأخيرة” لاستكمال العملية، بعد إعلان تجاوز نسبة الإنجاز على مستوى سوريا 63%.

ودعا المصرف المواطنين إلى عدم تأجيل الاستبدال، مؤكداً أن الأوراق النقدية القديمة ستبقى قابلة للاستبدال لدى المصرف المركزي لمدة خمس سنوات بعد انتهاء فترة التداول، وفق آليات سيتم الإعلان عنها لاحقًا.

لكن سكان الحسكة يواجهون، بحسب شهادات محلية، تحديات تتجاوز عامل الوقت، تشمل محدودية المراكز، وتأخر بدء الخدمة، وصعوبة الوصول إلى بدائل مصرفية، ما دفع بعضهم إلى اللجوء للدولار أو انتظار حلول لاحقة قد تتطلب السفر إلى دمشق.

وبين ازدحام مركز البريد، وارتفاع الطلب على الدولار، ومخاوف فقدان قيمة المدخرات، تجد شريحة واسعة من سكان الحسكة نفسها أمام سباق مع الزمن لإنهاء عملية الاستبدال قبل انتهاء المهلة المحددة.

اقرأ أيضاً:زراعة القطن في الحسكة بين ارتفاع التكاليف وأزمة المياه.. مستقبل المحصول على المحك

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.