عقارات مستملكة في دمشق.. الحكومة السورية أمام اختبار استعادة الحقوق

تتواصل احتجاجات أصحاب العقارات في دمشق للمطالبة باستعادة أراضيهم وممتلكاتهم التي شملتها قرارات الاستملاك خلال العقود الماضية، أو الحصول على تعويضات عادلة، وسط استمرار العمل بتشريعات سابقة وتعقّد الإجراءات القانونية اللازمة لمعالجة النزاعات. وبينما تتزايد مطالب المتضررين بمراجعة القرارات والعقود القائمة، تواجه الحكومة السورية الحالية اختباراً عملياً في قدرتها على حماية الملكية الخاصة وإنصاف أصحاب الحقوق.

ولا تقتصر المشكلة على القرارات القديمة، بل تمتد إلى كيفية التعامل معها اليوم، في ظل مخاوف من استمرار تنفيذ مشاريع استثمارية على عقارات لا تزال ملكيتها أو التعويضات المرتبطة بها موضع نزاع. ويضع ذلك الجهات الحكومية أمام مسؤولية إيجاد حلول واضحة تضمن حقوق المالكين قبل المضي في إجراءات يصعب التراجع عنها لاحقاً.

قوانين الاستملاك وتعقيدات الملكية العقارية

يوضح المحامي هادي بازغلان أن تشريعات الاستملاك في سوريا تطورت منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، مروراً بقوانين تنظيم الملكية والتوسع العمراني، وصولاً إلى تشريعات حديثة أثارت إشكاليات قانونية تتعلق بالتعويضات وحقوق المالكين.

ومن أبرز هذه التشريعات المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983، والقانون رقم 60 لعام 1979 المعدّل بالقانون رقم 26 لعام 2000، إضافة إلى المرسوم رقم 66 لعام 2012، الذي ارتبط بمشاريع تنظيم عمراني، من بينها مشروع «ماروتا سيتي» في بساتين المزة.

وبحسب بازغلان، أدت آليات تطبيق بعض هذه القوانين إلى نزاعات بشأن قيمة التعويضات وحقوق أصحاب العقارات، ولا سيما في الحالات التي لم تتناسب فيها التعويضات مع القيمة الفعلية للممتلكات، أو تداخلت فيها حقوق المالكين والورثة مع مصالح الجهات العامة والمستثمرين.

الحكومة السورية ومسؤولية معالجة الملفات العالقة

لا يؤدي تغيير السلطة السياسية تلقائياً إلى إلغاء التشريعات السابقة. ويوضح المحامي المختص بحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن المادة 51 من الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 تنص على استمرار نفاذ التشريعات السابقة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الأصول القانونية.

لكن استمرار العمل بهذه القوانين لا يعفي الحكومة الحالية من مسؤولية مراجعة آثارها، خصوصاً في الحالات التي ترتبت عليها أضرار بحقوق المالكين. وتشير المادة 48 من الإعلان الدستوري المؤقت إلى إلغاء القوانين الاستثنائية الضارة بالناس ومعالجة آثار الإجراءات الأمنية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية.

وتبرز مسؤولية الحكومة في وضع آلية واضحة لمراجعة الملفات، ومنع انتقال العقارات المتنازع عليها إلى مراحل يصعب معها استرداد الحقوق، إلى جانب ضمان عدم حرمان المهجّرين والمفقودين من حق المطالبة بممتلكاتهم بسبب تعذر الحضور أو تقديم الوثائق ضمن المهل المحددة.

استعادة العقارات تصطدم بعقبات قانونية

يشير بازغلان إلى أن دعاوى استرداد العقارات تخضع لشروط إجرائية وموضوعية معقدة، تشمل التحقق من قبض التعويض أو الحصول على بديل سكني، واستيفاء إجراءات التظلم، وإثبات الصفة القانونية للمدّعين والورثة.

كما قد تعيق استعادة الملكيةَ مباشرةُ تنفيذ المشروع الذي جرى الاستملاك من أجله، أو تغيير غرض النفع العام، أو تسجيل العقار ضمن أملاك الدولة الخاصة. وتؤدي هذه التعقيدات إلى اتساع الفجوة بين حق المالك في المطالبة بممتلكاته وقدرته الفعلية على استعادتها، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها مصالح متعددة.

احتجاجات المالكين تطالب بحلول عملية

وفي سياق التحركات الرامية إلى معالجة القضية، عقدت مجموعة من أعضاء مجلس الشعب جلسة استماع عبر الإنترنت مع عدد من أصحاب الأراضي المتضررين وحقوقيين، وفق ما أفادت به النائبة نور الجندلي، التي أكدت أن المجلس سيتابع الملف ضمن دوره التشريعي والرقابي.

وطالب المشاركون بتشكيل لجان مشتركة تضم حقوقيين عن المتضررين وأعضاء من المجلس، ومراجعة العقود والإجراءات القائمة، ووقف أعمال المستثمرين في العقارات المتنازع عليها إلى حين التحقق من الحقوق. كما دعوا إلى استعادة الأراضي التي انتفت عنها صفة النفع العام أو لم تُنفّذ عليها المشاريع المخصصة لها، وإقرار تعويضات عادلة وفق القيم الرائجة.

وطرح المتضررون ثلاثة مسارات للحل: استعادة العقارات حيثما أمكن، أو تحميل المستثمر المستفيد كلفة التعويض، أو جبر الضرر عبر دفعات تراعي الإمكانات المالية للدولة.

وفي ظل استمرار النزاعات وتعدد أصحاب الحقوق، تبقى مسؤولية الحكومة السورية مرتبطة بقدرتها على الانتقال من الاستماع إلى المطالب إلى إجراءات ملموسة، تشمل مراجعة الملفات ذات الأولوية، وتوفير ضمانات قانونية للمالكين، ووضع جدول واضح لمعالجة المظالم. فاستعادة الحقوق العقارية لا تتطلب قرارات عامة فحسب، بل آليات تنفيذية شفافة تمنع استمرار النزاعات وتحفظ حقوق المتضررين.

 

اقرأ ايضاً: أهالي معضمية الشام يطالبون بإلغاء قرارات الاستملاك وتسوية ملكية العقارات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.