دولرة الأسعار في سوريا.. حل مؤقت أم وهم الاستقرار؟
عادت الضغوط النقدية لتلقي بظلالها الثقيلة على حركة الأسواق السورية، متزامنة مع تراجع جديد في قيمة الليرة أمام الدولار وبقية العملات الأجنبية في السوق الموازية.
وفي ظل هذه التقلبات المستمرة التي تزيد من أعباء المواطنين، يطفو على السطح مقترح اقتصادي مثير للجدل يدعو إلى “دولرة الأسعار والأجور” كحل محتمل للحد من تآكل القدرة الشرائية.
تجدد الضغوط النقدية وتآكل الليرة
شهدت تعاملات السوق الموازية في الأيام القليلة الماضية تراجعاً ملحوظاً في قيمة العملة المحلية، مسجلة 143.75 ليرة لشراء الدولار الواحد، و144.50 ليرة للمبيع.
وجاء هذا الهبوط ليقضي على فترة من الاستقرار النسبي سادت مطلع الشهر، حين كان سعر الصرف يتحرك في نطاق 137.65 ليرة للشراء و138.40 ليرة للمبيع.
هذا التراجع التدريجي أفقده قرابة 2.2 بالمئة من قيمته على مدى ثلاثة أسابيع، قبل أن يتسارع متجاوزاً حاجز 3.5 بالمئة مقارنة بمستويات بداية الشهر، وتركز الجزء الأكبر من هذه الخسائر خلال التعاملات الأخيرة. وقد أعاد هذا المشهد إلى واجهة الاقتصاد السوري معضلته الهيكلية المزمنة المتمثلة في سرعة انعكاس تدهور سعر الصرف على الأسعار وتآكل المداخيل.
دولرة الأسعار والأجور: رؤية الخبير الاقتصادي جورج خزام
في خضم هذا الاضطراب المعيشي والإنتاجي، دعا الخبير الاقتصادي جورج خزام إلى إعادة النظر في منظومة التسعير برمتها. ويقترح خزام اعتماد التسعير بالدولار في الأسواق السورية، مع إتاحة الدفع إما بالعملة الأميركية أو بالليرة وفق سعر الصرف المتغير.
وأوضح خزام، في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن هذا النظام يحقق مزايا متعددة، تشمل:
-
استقرار التكاليف: يتيح للمنتجين تثبيت أسعار البيع وتكاليف الإنتاج بالدولار نفسه، متجنبين التعديلات المتكررة مع كل تغير في سعر الصرف.
-
حماية الأجور: قد يدفع أصحاب المنشآت إلى تثبيت الأجور بالدولار أيضاً، بما يحافظ على القيمة الحقيقية للرواتب ويحد من تراجع الطلب على المنتجات المحلية الناتج عن ارتفاع الأسعار بالليرة.
-
الحد من التضخم المنقول: يساعد استقرار الأسعار مقومة بالدولار على منع انتقال تقلبات سعر الصرف إلى السوق المحلية، ودعم استمرار الطلب على السلع الوطنية وحماية الإنتاج.
وتتقاطع هذه الرؤية مع معطيات صندوق النقد الدولي الواردة في تقريره الصادر في 3 أغسطس/آب 2026، والتي أكدت ارتفاع معدلات التضخم خلال العام الجاري متأثرة بزيادة أسعار الواردات (ولا سيما الوقود والغذاء)، إلى جانب تصاعد الطلب المحلي وتكاليف الخدمات والمساكن، مما يعكس التشابك العميق بين صدمات الاستيراد الخارجية وضعف العملة المحلية.
الجدل حول تأثير الدولرة على سوق الصرف
يثير مقترح الدولرة تساؤلات واسعة حول تداعياته على موازين العرض والطلب في سوق الصرف، إلا أن خزام يقلل من مخاوف ارتفاع الدولار نتيجة لذلك.
ويستشهد بافتراض سلعة يبلغ سعرها 144 ألف ليرة (بما يعادل 10 دولارات):
-
دفع قيمة السلعة بالدولار يزيد المعروض منها بمقدار 10 دولارات في مقابل تراجع الطلب على الليرة بالقيمة المكافئة.
-
النتيجة لا تختلف جوهرياً عما إذا جرى الدفع بالليرة، طالما أن الإيرادات ستُستخدم لاحقاً لشراء الدولار اللازم لاستيراد السلع الجاهزة أو المواد الأولية.
آفاق الحلول الاقتصادية الشاملة
يؤكد الخبراء أن التضخم لا يرتبط بسعر الصرف وحده، بل يتأثر بمنظومة متكاملة تضم حجم الإنتاج المحلي، وتوافر السلع، والسياسة النقدية، ومستوى المنافسة في الأسواق.
بناءً على ذلك، فإن نجاح أي توجه نحو دولرة الأسعار يظل رهناً بظروف التطبيق، ومدى توافر الدولار، وقدرة المؤسسات على ضبط التعاملات وحماية المستهلكين من الممارسات السعرية العشوائية.
وخلاصة القول، إن طرح دولرة الأسعار والأجور يهدف بالأساس إلى الحد من تقلبات السوق والتعديلات المتكررة على الملصقات السعرية، غير أنه لا يمثل بمفرده عصاً سحرية لإنهاء دوامة الغلاء أو استعادة القوة الشرائية للأسر السورية؛ إذ يظل الاستقرار الحقيقي وتحسن المستويات المعيشية مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بمعالجة الاختلالات النقدية والإنتاجية، وتوسيع فرص العمل، ورفع الدخول.
اقرا أيضاً:لماذا تحلق الأسعار في سوريا رغم شلل الأسواق؟.. 5 أسباب وراء دوامة الغلاء