أزمة المازوت في سوريا: 250 صهريجاً إلى حلب وإدلب وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار
تتواصل أزمة المحروقات في سوريا، مع استمرار نقص مادة المازوت في عدد من المحافظات، رغم إعلان وزارة الطاقة إرسال 250 صهريجاً إلى حلب وإدلب لتخفيف أزمة التوريد. وتلقي تداعيات نقص الوقود بظلالها على النقل العام والشحن التجاري والأنشطة الزراعية والخدمات الأساسية، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار السلع واتساع السوق السوداء مع اقتراب فصل الشتاء.
وبينما تؤكد الحكومة توافر كميات من المازوت في المستودعات ووصول شحنات جديدة، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بانتظام التوريدات وكفاءة النقل والتوزيع، وقدرة الجهات المعنية على إيصال الوقود إلى محطات المحروقات والمستهلكين في الوقت المناسب.
أزمة المازوت في سوريا.. 250 صهريجاً إلى حلب وإدلب
أعلنت وزارة الطاقة السورية، الأحد، أن الشركة السورية للبترول تعمل على تحميل وإرسال 250 صهريجاً من مادة المازوت من بانياس إلى محافظتي حلب وإدلب، في محاولة لتخفيف الاختناقات التي شهدتها المحافظتان خلال الأيام الماضية.
وقال مدير الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، إن المازوت متوافر في مستودعات الشركة، مشيراً إلى وجود ثلاث ناقلات نفط راسية في البحر وجاهزة للتفريغ، إلى جانب ناقلات أخرى متعاقد عليها يُنتظر وصولها تباعاً.
وعزا سلات أزمة المحروقات إلى تعديات استهدفت خطوط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص، ما أدى إلى توقف وصول المادة إلى مستودعات حمص، وزيادة الضغط على مرافق التحميل في بانياس، فضلاً عن تأخر تنفيذ الطلبات.
وأوضح أن الخط المتضرر أُصلح، وأن العمل جارٍ لإعادة ضخ المشتقات النفطية عبره، تمهيداً لاستئناف التحميل من حمص، معرباً عن توقعه أن تسهم هذه الإجراءات في تخفيف أزمة المازوت تدريجياً خلال الأيام التالية.
لكن وصول الصهاريج إلى وجهاتها لا يعني بالضرورة انتهاء النقص فوراً، إذ يعتمد تحسن الإمدادات على انتظام عمليات النقل والتوزيع، وقدرة المحطات على تلبية الطلب المتراكم، وتوزيع الكميات المتاحة بين المحافظات وفق احتياجاتها.
لماذا تستمر أزمة المحروقات في سوريا؟
تتجاوز أزمة المازوت الحالية أعطال خطوط النقل، لتكشف عن تحديات أوسع في قطاع الطاقة السوري، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية.
وكان سلات قد أوضح، في تصريحات لوكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» في 13 أيلول/سبتمبر، أن إنتاج النفط المحلي يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 ألف و325 ألف برميل يومياً.
وبحسب الأرقام التي أوردها، لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نحو ثلث الاحتياجات، فيما تستورد سوريا نحو 74% من احتياجاتها من المازوت، في ظل محدودية قدرات التكرير المحلية وخضوع مصفاة بانياس لأعمال صيانة فنية اضطرارية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن معالجة أزمة المحروقات تتطلب أكثر من إرسال شحنات إضافية، إذ ترتبط استدامة الإمدادات بقدرة البلاد على تأمين المشتقات النفطية وتكريرها ونقلها وتخزينها، فضلاً عن كفاءة توزيعها على المحافظات.
وفي ظل هذه التحديات، يمكن أن تتجدد أزمة المازوت في حال تعطل خطوط النقل أو تأخر وصول الشحنات أو تراجع قدرة مرافق التحميل على تلبية الطلب، ما يزيد الضغوط على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الوقود بصورة يومية.
نقص المازوت في حلب وإدلب يضغط على النقل والزراعة
تنعكس أزمة المازوت في حلب وإدلب على قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة، من بينها النقل العام والشحن التجاري وتشغيل الأفران ومعاصر الزيتون وخدمات نقل مياه الشرب.
وتزداد أهمية تأمين الوقود مع استمرار موسم قطاف الزيتون، إذ تحتاج العمليات الزراعية إلى المازوت لتشغيل الآليات ونقل المحاصيل إلى المعاصر والأسواق، ما يجعل أي تأخير في التوريد عاملاً إضافياً في زيادة تكاليف الإنتاج.
كما يتزامن نقص المحروقات مع اقتراب فصل الشتاء، الذي ترتفع خلاله احتياجات الأسر السورية إلى الوقود المستخدم في التدفئة، الأمر الذي يزيد الضغط على الإمدادات، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من صعوبات في الحصول على المازوت.
ويثير استمرار الانقطاع مخاوف من انتقال تأثير الأزمة إلى أسعار المنتجات الزراعية والغذائية، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل، ولا سيما أن الأسواق في دمشق ومحافظات أخرى تعتمد على منتجات تصل من المناطق الشمالية.
هل يؤدي نقص المازوت إلى ارتفاع الأسعار في سوريا؟
حذّر أمين سر جمعية حماية المستهلك في سوريا، عبد الرزاق حبزة، من أن استمرار نقص المحروقات قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
وقال حبزة، وفق تصريحات تلفزيونية، إن رفع أسعار المشتقات النفطية سبق أن جرى تبريره باعتباره إجراءً مؤقتاً يهدف إلى ضمان توافر المادة واستمرارية الإمدادات، لكن استمرار النقص يثير تساؤلات بشأن مدى تحقق هذه الأهداف.
وأضاف أن اضطرار سائقي المركبات والشاحنات إلى الانتظار ساعات طويلة للحصول على المازوت يرفع تكاليف التشغيل، وقد يدفعهم إلى تحميل هذه الزيادة على أسعار البضائع والخدمات.
وأشار إلى أن تأثير الأزمة لا يقتصر على المحافظات التي تشهد نقصاً مباشراً، إذ يمكن أن تمتد تداعياتها إلى أسواق أخرى تعتمد على المنتجات الزراعية والغذائية القادمة من الشمال السوري، ما يزيد الأعباء على المستهلكين.
وحذّر حبزة أيضاً من أن نقص المحروقات قد يهيئ ظروفاً مناسبة للاحتكار ونشاط السوق السوداء، مع احتمال لجوء بعض المواطنين إلى شراء كميات تفوق احتياجاتهم الفعلية خوفاً من انقطاع الإمدادات، أو اللجوء إلى مصادر غير رسمية بأسعار مرتفعة.
كما دعا إلى تعزيز الرقابة على محطات الوقود ومسارات التوزيع، والتحقق من أسباب التفاوت في توافر المازوت بين المناطق. وتبقى المخاوف المتعلقة بالاحتكار أو انتقال الوقود إلى قنوات غير رسمية بحاجة إلى تحقق ورقابة، ولا تعني ثبوت وجود تهريب أو احتكار منظم.
أسعار المازوت المدعوم في سوريا.. من المستفيد من الدعم؟
لا تقتصر أزمة المحروقات على تأمين الكميات المطلوبة، بل تشمل أيضاً آليات توزيع المازوت المدعوم وضمان وصوله إلى الفئات المستحقة.
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت في أيلول/سبتمبر خطة لتوفير ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار متفاوتة، وفقاً لطبيعة الاستخدام ومواصفات المنتج.
وبحسب الأسعار التي أعلنتها الوزارة، تبلغ تكلفة ليتر المازوت المدعوم المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة 115 ليرة سورية جديدة، مقابل 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، و175 ليرة للمازوت النظامي.
وأوضحت الوزارة أن اختلاف الأسعار يرتبط بمواصفات المنتج وطبيعة استخدامه، مع التعهد بتنظيم التوزيع بالتنسيق مع المحافظات والجهات المعنية.
وفي ريف دمشق، بدأت إجراءات لحصر الأسر الأكثر احتياجاً للحصول على المازوت المدعوم، عبر لجان تضم ممثلين عن البلديات والمخاتير والجمعيات الخيرية ووجهاء محليين.
لكن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بوضوح معايير الاستحقاق، وتحديد الكميات المخصصة لكل أسرة، والإعلان عن مواعيد التسليم، وضمان وصول المادة فعلياً إلى المستفيدين، بعيداً عن التأخير أو التفاوت في التوزيع.
هل تنجح الحكومة السورية في إنهاء أزمة المازوت قبل الشتاء؟
تعكس أزمة المحروقات في سوريا تداخلاً بين مشكلات التوريد والنقل والتكرير والتوزيع، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الوقود لتشغيل وسائل النقل والأنشطة الزراعية والخدمات الأساسية وتأمين التدفئة.
ومن شأن إرسال 250 صهريجاً من المازوت إلى حلب وإدلب أن يخفف الضغط على الإمدادات إذا وصلت الكميات إلى وجهاتها وجرى توزيعها بصورة منتظمة، إلا أن معالجة الأزمة على المدى الطويل تتطلب ضمان استمرارية التوريدات، وإعادة تشغيل خطوط النقل بكفاءة، وتحسين قدرات التخزين والتحميل والتكرير، إلى جانب تشديد الرقابة على التوزيع.
ويبقى المعيار الأساسي لنجاح الإجراءات الحكومية مرتبطاً بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، من خلال تراجع طوابير الانتظار، وتحسن توافر المازوت في محطات الوقود، والحد من ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وتقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق السوداء.
ومع اقتراب الشتاء، تتزايد أهمية معالجة أزمة المازوت بصورة مستدامة، لتجنب تحول نقص الوقود إلى أزمة معيشية واقتصادية أوسع تطال الأسر والقطاعات الإنتاجية والخدمية في مختلف المحافظات السورية.
إقرأ أيضاً: البنزين المغشوش في سوريا.. خطأ «تشغيلي» والحساب على جيوب المواطنين
إقرأ أيضاً: نقص المازوت في سوريا يهدد بارتفاع أسعار السلع وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل