الوظيفة العامة في سوريا.. تغييرات واسعة ومخاوف على مصير 800 ألف موظف
تشهد مؤسسات الدولة في سوريا منذ سقوط النظام السابق تغييرات إدارية واسعة، شملت التوظيف وإعادة توزيع الكوادر والاستغناء عن موظفين سابقين، وسط حديث عن توجه لاستبدال نحو 800 ألف موظف كانوا على رأس عملهم في المؤسسات المدنية عند سقوط النظام.
وبحسب صحيفة «الأخبار»، تتخذ هذه التغييرات في عدد من المؤسسات طابعاً سياسياً، مع تغليب الولاء والانتماء على الخبرة والكفاءة وتكافؤ الفرص، في تحول عن آلية الموافقات الأمنية التي كانت سائدة خلال عهد النظام السابق.
وتقول الصحيفة إن هذا المسار يهدد بخسارة مؤسسات الدولة لجزء من كوادرها وخبراتها، وما قد يرافق ذلك من تداعيات على أداء المؤسسات والخدمات العامة، إضافة إلى احتمال دفع أصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثاً عن بيئة عمل أفضل.
تغييرات واسعة في مؤسسات الدولة
شهدت مؤسسات الدولة، خلال الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق، تغييرات إدارية واسعة بدأت، وفق «الأخبار»، بتولي شخصيات قادمة من الشمال مواقع مختلفة داخل مؤسسات الدولة، قبل الانتقال إلى فتح باب التوظيف بهدف الاستغناء تدريجياً عن كوادر سابقة وزيادة حضور أشخاص محسوبين على الإدارة الجديدة.
وتوضح الصحيفة أن عمليات التوظيف اتخذت شكلين رئيسيين، الأول تمثل في تعيينات مباشرة لم تلتزم بالإجراءات المنصوص عليها في قانون العاملين وتعديلاته والتعاميم الحكومية السابقة، رغم أن الإعلان الدستوري نص على استمرار العمل بالقوانين والتشريعات ما لم يتم تعديلها أو تغييرها.
أما الشكل الثاني، فتمثل في إعلان بعض الجهات الحكومية عن حاجتها إلى موظفين جدد، وهو ما بدا أكثر حضوراً في مؤسسات تحظى باهتمام دولي، مثل القضاء، إلى جانب استعادة وزارة التنمية الإدارية لاحقاً مهام الإشراف على مسابقات التوظيف في الجهات العامة.
وخلال الفترة الماضية، سُجلت عشرات الإعلانات الصادرة عن وزارات ومؤسسات حكومية لطلب موظفين جدد، رغم حديث الحكومة عن وجود فائض في أعداد العاملين في معظم الوزارات والمؤسسات.
وبحسب التقرير، انطلقت عمليات التوظيف في هذه الحالات من معيار الولاء والانتماء السياسي، على حساب الخبرة والكفاءة ومبدأ تكافؤ الفرص، بما يعيد طرح مسألة تسييس الوظيفة العامة، وإن بأساليب مختلفة.
من الموافقات الأمنية إلى معايير داخل المؤسسات
تعود ظاهرة تسييس الوظيفة العامة، وفق التقرير، إلى أحداث الثمانينيات، عندما سعت السلطة آنذاك إلى إبعاد منتسبي جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم عن مؤسسات الدولة.
وتولت شعبة الأمن السياسي هذا الملف، إذ اشترطت موافقتها الخطية لتوظيف أي شخص في الجهات العامة، سواء عبر مسابقة رسمية أو عقد سنوي أو غير ذلك من أشكال التوظيف القانونية.
ومع مرور الوقت، توسعت هذه الممارسة نتيجة نشاط بعض السياسيين والأحزاب المعارضة غير المرخصة، إضافة إلى طبيعة المعلومات التي كانت تُجمع خلال عمليات «التقييم» الأمني، والتي شابتها، بحسب «الأخبار»، أخطاء عدة تتعلق بأهلية العناصر المكلفة بجمع المعلومات، وطبيعة البيانات المطلوبة ومصادرها، وآليات التحقق منها.
وبعد اندلاع التظاهرات في منتصف آذار 2011، ألغت الحكومة الموافقة الأمنية المطلوبة لإنجاز عدد من المعاملات، بينها إعادة العامل إلى وظيفته.
لكن هذا التغيير لم يستمر سوى سنوات، إذ عادت الموافقات الأمنية مع تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة المواجهات العسكرية.
وبحسب الصحيفة، لم تعد الموافقة الأمنية مقتصرة على التوظيف، بل أصبحت مطلوبة أيضاً عند إعادة العامل إلى وظيفته، أو تقديم طلب استقالة، أو الإحالة إلى التقاعد، مع تولي «مكتب الأمن الوطني» مهمة توجيه الأجهزة المختلفة لإعداد الدراسات المطلوبة.
سابقة قانونية عام 2019
برز تطور لافت في هذا الملف في تموز 2019، عندما طلب مجلس الوزراء من مجلس الدولة رأياً قانونياً حول إمكانية إعادة العامل المصروف من الخدمة إلى وظيفته بعد صدور حكم قضائي يقضي بإعادته، حتى في حال عدم وجود موافقة أمنية.
وخلصت اللجنة المختصة التي كُلفت دراسة المسألة إلى أن القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 حدد شروط التعيين، ولم تكن الموافقة الأمنية من بينها، وهي الشروط نفسها المطلوبة لإعادة العامل إلى وظيفته.
ومع تزايد الدعاوى القضائية ضد وزراء ومديرين عامين بسبب عدم تنفيذ أحكام قضائية مبرمة، برزت مواجهة غير مباشرة بين السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية.
ولمواجهة ذلك، لجأت الحكومة إلى اجتهاد قانوني يحرر المسؤولين من إلزامية الحصول على موافقة أمنية، بما يجنبهم المسؤولية القانونية المترتبة على عدم تنفيذ الأحكام القضائية.
مرحلة جديدة بعد سقوط النظام
تقول «الأخبار» إن نحو 22 شهراً مرت منذ صعود الإدارة الجديدة، من دون تسجيل عودة عامة للموافقات الأمنية الخاصة بالتوظيف، باستثناء حالات محددة تتعلق بدراسة خلفيات بعض الموظفين ومدى علاقتهم برموز النظام السابق.
لكن الصحيفة ترى أن غياب الموافقات الأمنية بصيغتها السابقة لا يعني انتهاء تسييس الوظيفة العامة، إذ انتقل التدخل، وفق ما ترصده، من الأجهزة الأمنية إلى داخل المؤسسات نفسها.
وتشير إلى أن بعض الإدارات الجديدة باتت تحدد، من دون معايير واضحة، من يُقبل للعمل، ومن يبقى ضمن الكادر القديم، ومن تتم إزاحته، فيما اتُخذت قرارات إبعاد عدة استناداً إلى ما يمكن وصفه بـ«الشبهة» أو الوشايات، أو ما يُنشر على شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الرؤى الشخصية للإدارات الجديدة.
وتورد الصحيفة في هذا السياق حالة مريم، التي تقدمت إلى المقابلة الشخصية الخاصة بالقبول في دورة المعهد القضائي الأخيرة، حيث فوجئت بسؤالها عن طائفتها، رغم أنها أمضت أياماً في التحضير لأسئلة تتعلق بأساسيات القانون وأصول المحاكمات.
وتقول مريم إن الأسئلة التي وُجهت إليها انتقصت، برأيها، من قيمة القانون الذي يفترض أن يكون المرجع الأساسي في حال نجاحها وتعيينها قاضية، مضيفة أنها شعرت بأنها باتت قريبة من سؤال يتعلق بما كانت تفعله قبل 14 عاماً.
تداعيات على مؤسسات الدولة
بحسب التقرير، بدأت نتائج هذه الممارسات بالظهور مع خسارة مؤسسات الدولة لعدد من كوادرها وخبراتها، بحجة العمل مع النظام السابق.
وترتبط هذه الخسارة بمشكلات عدة، من بينها تراجع الخدمات العامة، وتعطل جزء من عمل المؤسسات، واتساع الفجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يُنفذ فعلياً.
ولا يُستبعد أن تعود الموافقة الأمنية مستقبلاً إلى ملفات التوظيف وإعادة العاملين إلى وظائفهم، في ظل تشابه الظروف الحالية مع مراحل سابقة اتسمت بإبعاد من يعارض السلطة أو يختلف معها سياسياً وفكرياً.
وقد تشمل أي عودة من هذا النوع شريحة واسعة من العاملين في القطاع العام، وسط تساؤلات حول أسباب عمليات النقل الواسعة للموظفين إلى محافظات بعيدة عن أماكن إقامتهم المعتادة.
كما قد يؤدي تصاعد خطاب الكراهية إلى توسيع دائرة الإقصاء لتشمل موظفي الديوان والخدمات، فضلاً عن المعارضين والسجناء السياسيين الذين تمكن بعضهم، في مراحل سابقة وبأعداد متفاوتة، من العودة إلى العمل في مؤسسات الدولة.
اقرأ أيضاً:اتهامات بالإقصاء الوظيفي في سوريا.. تقرير حقوقي يرصد الفصل والنقل القسري داخل مؤسسات الدولة
اقرأ أيضاً:موظفات يتعرضن للمضايقات بسبب رفضهن الزواج من المسؤولين.. عروض سخية بشرط السرّية