نبش النفايات في دمشق يتحول إلى اقتصاد موازٍ.. أطفال يعملون والجهات الرسمية بلا أرقام
في دمشق، لم تعد النفايات مجرد عبء على الشوارع وقطاع النظافة، بل أصبحت مادة خاماً لسوق كاملة تعمل خارج الاقتصاد الرسمي. فالبلاستيك والحديد والنحاس والكرتون التي تتخلص منها الأسر يومياً تنتقل من الحاويات إلى أيدي النباشين، ثم إلى محال الخردة ومراكز التجميع، وصولاً إلى مصانع تعيد إدخالها في دورة الإنتاج.
وراء هذه السلسلة يقف آلاف الأشخاص الذين وجدوا في القمامة مورداً لا يملكون بديلاً عنه، وبينهم أطفال تركوا المدرسة للعمل، وأسر يشارك أفرادها في جمع المخلفات لتأمين الإيجار والطعام. وفي الجهة المقابلة، لا تملك المؤسسات الحكومية حتى الآن بيانات دقيقة عن حجم الظاهرة، وفق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ما يكشف فجوة واضحة بين اتساع المشكلة وقدرة الدولة على رصدها ومعالجتها.
المفارقة أن نشاطاً يحقق قيمة اقتصادية وبيئية عبر استرداد المواد القابلة لإعادة التدوير يجري في أكثر أشكاله خطورة وفوضوية: بلا حماية، وبلا تنظيم، وبلا ضمانات للأطفال، وغالباً على حساب نظافة الشوارع وسلامة العاملين.
اقتصاد يبدأ من الحاوية
يبدأ هذا الاقتصاد من شخص يفتح كيساً بحثاً عن مادة قابلة للبيع، لكنه لا ينتهي عنده. فالبلاستيك والحديد والنحاس والألمنيوم والكرتون تنتقل بعد جمعها إلى تجار ومراكز تجميع تفرزها وتضغطها وتنقلها بكميات أكبر إلى المصانع.
يعمل حسن، البالغ 15 عاماً، في هذه السلسلة منذ سنوات، بعدما توقف تعليمه عند الصف الرابع الابتدائي. يجمع المواد مع إخوته ويحصل، بحسب إفادته، على نحو 50 ألف ليرة يومياً، تذهب إلى أسرة من عشرة أفراد، يعمل ستة منهم في نبش القمامة.
أما علي محمد خضر، فيبدأ عمله قبل الرابعة فجراً، متنقلاً بين الحاويات حتى ساعات المساء. ويجمع الحديد والبلاستيك والألمنيوم والنحاس، وقد يصل دخله في يوم جيد إلى نحو 110 آلاف ليرة.
هذه الأرقام لا تعكس أرباحاً سهلة، بل تكشف حجم الاعتماد على عمل شاق وخطر أصبح بالنسبة إلى بعض الأسر جزءاً من ميزانية المعيشة اليومية.
قيمة أكبر.. وحصة أصغر للنباش
كلما ابتعدت المادة عن الحاوية ارتفعت قيمتها. فالنباش يبيع كمية صغيرة ومختلطة، بينما يشتري تاجر التجميع كميات أكبر ويعيد فرزها، ثم تنتقل المواد إلى مراكز قادرة على الكبس والنقل، قبل أن تصل إلى المصنع حيث تتحول إلى مدخل إنتاج.
ويشرح خبير التخطيط الاقتصادي خالد الحمدي أن النباش يمثل الحلقة الأضعف في هذه الدورة، رغم أنه يتحمل الجزء الأكبر من الجهد والمخاطر الصحية. وتقدر دراسة بحثية أجريت عام 2024 نفايات دمشق بنحو ألفي طن يومياً، فيما أشارت تقديرات تاريخية إلى استخراج النباشين نحو 18% منها.
وإذا استُخدمت هذه النسبة كمؤشر افتراضي، فإنها تعادل نحو 360 طناً يومياً من المواد التي يمكن أن تعود إلى دورة الإنتاج بدلاً من دفنها أو ترحيلها.
الظاهرة أكبر من قدرة الدولة على القياس
المشكلة الأشد دلالة لا تكمن في وجود النبش وحده، بل في أن الجهات الرسمية لا تعرف بدقة حجمه. فقد أكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عدم وجود إحصاءات ترصد عدد العاملين في هذا المجال أو الأسر التي تعتمد عليه، ما يجعل الحديث عن سياسات حماية أو بدائل عمل يسبق الخطوة الأساسية: معرفة من هم الأشخاص الذين يجب أن تستهدفهم هذه السياسات.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الحلول المطروحة تدور حول برامج يجري إعدادها بالتعاون مع منظمات دولية، من دون تحديد واضح لموعد تنفيذها أو نطاقها أو عدد المستفيدين منها.
وهذا التأخر له كلفة مباشرة: طفل يخرج إلى الشارع بدلاً من المدرسة، وأسرة تصبح أكثر اعتماداً على عمل غير آمن، ومواد قابلة للتدوير تبقى خارج منظومة رسمية كان يمكن أن تحقق منها البلديات والمصانع والعاملون قيمة أكبر.
التنظيم قبل المنع
لا يمكن معالجة الظاهرة بمنع النباشين من الوصول إلى الحاويات فقط. فإغلاق هذا المورد أمام أسر تعتمد عليه من دون توفير دخل بديل قد يدفعها إلى مستويات أشد من الفقر، بينما تركه على حاله يعني استمرار المخاطر الصحية وتشغيل الأطفال وبعثرة النفايات.
الحل الأكثر واقعية يبدأ بإدماج العاملين في منظومة رسمية للفرز وإعادة التدوير، عبر نقاط تجميع مرخصة، وبطاقات عمل، ومعدات حماية، وتسعير واضح، وربطهم بمراكز الفرز والمصانع. وبالتوازي، يحتاج الأطفال إلى مسار يعيدهم إلى التعليم، وتحتاج الأسر الأكثر هشاشة إلى بدائل دخل حقيقية لا إلى وعود ببرامج مستقبلية.
فالمشكلة في دمشق لم تعد أن هناك أشخاصاً يبحثون داخل القمامة، بل أن اقتصاداً كاملاً نشأ حولها من دون أن تمتلك الدولة حتى الآن صورة دقيقة عن حجمه أو آليات عمله أو الأشخاص الذين يعيشون منه.
اقرأ أيضاً: أزمة النفايات في حلب: حملات إلكترونية ومخاوف من كارثة بيئية مع اقتراب الصيف