التوسع في التجارة السورية التركية يهدد الصناعة السورية.. منافسة غير متكافئة أمام الواردات التركية
تسعى سوريا وتركيا إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من نحو 3.7 مليارات دولار إلى عشرة مليارات، في عنوان يبدو للوهلة الأولى كأنه إعلان عن انفتاح اقتصادي واسع، لكنه يخفي خلف الأرقام سؤالاً أكثر قسوة: ماذا ستبيع سوريا مقابل ما ستستورده؟
ففي سوق سورية أنهكتها سنوات الحرب، وتراجع فيها الإنتاج وتضررت المصانع وارتفعت كلف الطاقة والمواد الأولية، تدخل البضائع التركية إلى منافسة تبدو مختلة منذ بدايتها. وبينما تبحث الحكومة الانتقالية عن زيادة التجارة وجذب الاستثمار، تخشى قطاعات إنتاجية أن يتحول الانفتاح إلى بوابة واسعة لإغراق السوق المحلية بمنتجات تمتلك أفضلية واضحة في الكلفة والجودة والقدرة على الإنتاج.
أرقام التجارة تكشف كفة مختلة
بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 3.75 مليارات دولار خلال 2025، وفق تقديرات اقتصادية، بزيادة تقارب 45%. لكن اتجاه التجارة يكشف جوهر المشكلة؛ إذ بلغت الصادرات التركية إلى سوريا نحو 1.28 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل نحو 450 مليون دولار للصادرات السورية إلى تركيا.
أي أن زيادة حجم التجارة، بصيغتها الحالية، لا تعني بالضرورة نمواً سورياً. فقد يعني ارتفاع الرقم ببساطة أن سوريا أصبحت سوقاً أكبر للسلع التركية، بينما تبقى قدرتها على الوصول إلى السوق التركية محدودة.
وهنا تتحول عبارة “التكامل الاقتصادي” إلى مفهوم ملتبس إذا لم تترافق مع قدرة سورية حقيقية على الإنتاج والتصدير.
الصناعة السورية تواجه منافساً أقوى
يرى اقتصاديون أن الفارق بين الاقتصادين يجعل المنافسة غير متكافئة. فتركيا تدخل السوق بقاعدة صناعية واسعة، وتكاليف إنتاج أكثر تنافسية، وخبرة تصديرية وشبكات نقل وتمويل متطورة، فيما لا تزال الصناعة السورية تحاول إعادة تشغيل خطوطها وتأمين الكهرباء والمواد الأولية والتمويل.
وفي هذه المعادلة، لا تحتاج الصناعة السورية إلى منافس أكثر كفاءة فحسب، بل تواجه أيضاً احتمال فقدان حصتها في السوق المحلية أمام منتجات جاهزة تستطيع الوصول بسرعة وبكميات كبيرة.
وتزداد خطورة الأمر إذا أصبح الهدف الحكومي هو زيادة حجم التبادل التجاري بحد ذاته، من دون وضع معيار موازٍ لنمو الصادرات السورية وحماية القطاعات المنتجة. فكل دولار إضافي من الواردات لا يمثل نجاحاً إذا كان يقابله مصنع سوري يغلق أبوابه.
المعابر تتوسع.. والواردات تستعد
تترافق الطموحات التجارية مع مشاريع لتوسعة وتحديث المعابر بين سوريا وتركيا، من الجانب التركي ومنفذ باب الهوى من الجانب السوري، في خطوة ستزيد القدرة على عبور الشاحنات والبضائع والمسافرين.
منطقياً، تحسين المعابر ضرورة للاقتصاد. لكن توسيع البوابات قبل تقوية القدرة الإنتاجية للبلد قد يعني عملياً تسهيل دخول المنتجات الأجنبية أسرع من خروج المنتجات السورية.
وهنا تحديداً يظهر التقصير الحكومي: لا يكفي أن تبني الحكومة ممرات تجارية أكثر كفاءة، بينما تترك المصانع في مواجهة كلفة إنتاج مرتفعة، وتمويلاً ضعيفاً، وطاقة غير مستقرة، ورسوم ومشكلات لوجستية تقلل قدرتها على المنافسة.
الشراكة المصرفية لا تكفي
يراهن الطرفان أيضاً على التعاون المصرفي وفتح المجال أمام مؤسسات مالية تركية وتعزيز التحويلات وتمويل التجارة. وقد تساعد هذه الخطوات في خفض كلفة العمليات التجارية وتسهيل حركة الأموال.
لكن التمويل وحده لا يصنع صناعة قادرة على المنافسة. فإذا حصل المستورد على تمويل أسرع وأرخص لشراء سلعة تركية، بينما بقي المنتج السوري عاجزاً عن تأمين المواد الأولية والطاقة والائتمان، فإن النظام المالي نفسه قد يتحول إلى أداة لتسريع تراجع الصناعة المحلية.
عشرة مليارات.. بأي ثمن؟
تحتاج سوريا إلى التجارة والاستثمار والانفتاح، ولا يمكن بناء اقتصاد مغلق. لكن الانفتاح من دون حماية ذكية للإنتاج المحلي يشبه فتح الأبواب لمن يملك القدرة الأكبر على الدخول، ثم مطالبة الطرف الأضعف بالمنافسة.
المطلوب من الحكومة الانتقالية ألا تجعل رقم عشرة مليارات غاية بحد ذاته، بل أن تسأل عن تركيب هذا الرقم: كم منه صادرات سورية؟ كم مصنعاً سورياً استفاد؟ وكم فرصة عمل نتجت عنه؟
فإذا ارتفعت التجارة بينما انخفض الإنتاج المحلي، واتسع العجز التجاري، وأغلقت المصانع أبوابها أمام سيل السلع المستوردة، فلن يكون الاقتصاد السوري قد اندمج في محيطه بقدر ما يكون قد تحول إلى سوق استهلاك.
وفي النهاية، أخطر ما في المعادلة ليس أن تدخل البضائع التركية إلى سوريا، بل أن تدخل صناعةً سوريةً ضعيفة إلى المنافسة من دون أن تمنحها الحكومة الانتقالية أدوات البقاء.
اقرأ أيضاً: قطاع النسيج السوري أمام ضغط الاستيراد وارتفاع كلف الإنتاج.. هل تتراجع الصناعة المحلية؟