الجوع يوسع دائرة أزماته في سوريا.. تحذيرات أممية من تراجع الأمن الغذائي

لم تعد تداعيات الحرب في سوريا مرتبطة فقط بالدمار والنزوح، إذ تواجه البلاد أزمة غذائية متصاعدة تهدد ملايين السكان، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وتراجع حجم المساعدات الإنسانية، إضافة إلى استمرار تأثيرات سنوات الصراع على البنية التحتية والقطاع الزراعي.

في أحد مخيمات النزوح بريف إدلب الشمالي، تجلس أمينة الشردوب (43 عاماً) أمام خيمتها، بينما تحاول تدبير احتياجات أطفالها الأربعة في ظل ظروف معيشية صعبة. تقول إن توقف الدعم الذي كان يوفره برنامج الأغذية العالمي عبر المخابز المحلية انعكس بشكل مباشر على حياتها اليومية، بعدما أصبحت الأسرة تنفق معظم ما تملكه للحصول على الخبز فقط.

وتشبه معاناة أمينة حال آلاف الأسر في مناطق مختلفة من سوريا، حيث يواجه كثيرون صعوبة في تأمين الغذاء الأساسي، فيما تضطر بعض العائلات إلى تقليص وجباتها اليومية أو الاعتماد على المساعدات لتغطية احتياجاتها.

ملايين السوريين تحت ضغط انعدام الأمن الغذائي

وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 13.4 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 7.2 ملايين يعيشون في أوضاع شديدة الصعوبة، و1.6 مليون في ظروف بالغة القسوة.

كما يندرج نحو 80% من السكان ضمن حالات انعدام الأمن الغذائي المزمن، مع تأثر الأطفال والنساء بشكل خاص، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 600 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد.

ويرتبط هذا الوضع بمجموعة عوامل، أبرزها تراجع القدرة الشرائية، وتضرر شبكات الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية ومخلفات الحرب التي ما تزال تعيق الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي.

المساعدات تتراجع والاحتياجات تتزايد

ويقول مدير مخيم الوحلة في ريف إدلب الشمالي بكر الداني إن الوضع الإنساني في المخيمات تجاوز مرحلة الأزمة التقليدية، مشيراً إلى أن العديد من الأسر التي كانت تعتمد على المساعدات باتت تواجه صعوبة في تأمين وجباتها اليومية.

وأوضح أن بعض العائلات اضطرت إلى بيع ممتلكاتها لتوفير الغذاء، فيما يبحث أطفال عن الطعام في ظروف تعكس حجم الضغوط التي يعيشها السكان في مناطق النزوح.

وفي عام 2026، خفّض برنامج الأغذية العالمي مساعداته الطارئة في سوريا بنسبة 50% بسبب نقص التمويل، ليقتصر الدعم على نحو 650 ألف مستفيد في سبع محافظات.

وتأتي هذه التخفيضات في وقت لا تزال فيه مخلفات الحرب تشكل عائقاً أمام النشاط الزراعي، إذ سجلت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) 1299 حادثة مرتبطة بمخلفات الحرب منذ عام 2024، تسببت بوقوع 2325 ضحية.

الزراعة بين مخاطر الألغام وتراجع الإنتاج

على أطراف مدينة سراقب، يقف المزارع محمد مرعي أمام أرضه التي لم يتمكن من العودة إليها بشكل كامل بسبب مخاطر الألغام.

ويقول إن الأرض كانت مصدر رزقه الأساسي، إذ كان يزرع القمح والشعير والزيتون ويوفر من إنتاجها احتياجات أسرته، قبل أن تحول مخلفات الحرب العودة إلى الحقول إلى مخاطرة يومية.

وأشار مرعي إلى أن إصابة أحد جيرانه بانفجار أفقده ساقه دفعت كثيراً من المزارعين إلى التخلي عن أراضيهم، ليصبحوا أمام خيارين صعبين بين ترك الزراعة أو تحمل مخاطر العودة إليها.

وتؤكد الفاو أن مخلفات الحرب تعطل النشاط الزراعي في مساحات واسعة من سوريا، فيما حذرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) من استمرار أزمة الغذاء حتى عام 2027، مع توقع حاجة ملايين السوريين إلى المساعدات، ولا سيما في شمال شرقي البلاد وشمال غربيها.

أزمة زراعية متراكمة

ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن أزمة الأمن الغذائي في سوريا ليست جديدة، بل هي نتيجة تراكمات بدأت خلال السنوات الماضية، لكنها تفاقمت نتيجة استمرار المشكلات الهيكلية في القطاع الزراعي.

وأوضح أن الحرب أدت إلى استنزاف القوى العاملة في الزراعة، وتراجع الإنتاج، وضعف توفير مستلزمات أساسية مثل الأسمدة والبذار المحسنة، إضافة إلى تأثيرات تعدد مناطق النفوذ والصراع على حركة الإنتاج والتوريد.

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع الجدوى الاقتصادية دفعا أعداداً متزايدة من المزارعين إلى ترك العمل الزراعي، في وقت أصبح فيه بيع الأراضي وتحويلها إلى مشاريع عقارية خياراً أكثر جاذبية لبعض المالكين.

وأضاف أن ارتفاع أسعار المحروقات والمياه وتراجع القدرة الشرائية أثقل كاهل المنتجين، وزاد من اعتماد السوق السورية على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الغذائية.

تحديات المناخ وإدارة الموارد

ولفت الكريم إلى أن القطاع الزراعي واجه خلال الفترة الأخيرة تحديات إضافية، من بينها الفيضانات التي ألحقت أضراراً بالأراضي الزراعية، إضافة إلى فترات الجفاف التي أثرت على الإنتاج.

واعتبر أن التعامل مع الكوارث الطبيعية يحتاج إلى خطط أكثر فاعلية، تشمل تحسين إدارة الموارد المائية وتأهيل البنية التحتية الزراعية، محذراً من أن استمرار ضعف التخطيط قد يفاقم هشاشة الأمن الغذائي.

كما أشار إلى أن الحديث عن استثمارات محتملة في الأراضي الزراعية دفع بعض المزارعين إلى بيع أراضيهم، ما أدى إلى زيادة المضاربة على القطاع الزراعي بدلاً من الحفاظ عليه كقاعدة إنتاجية.

غياب خطة زراعية واضحة

ويرى الكريم أن القطاع الزراعي يحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد، منتقداً ما وصفه بغياب خطة واضحة لإعادة بناء الإنتاج الزراعي، والاكتفاء بالتركيز على جذب الاستثمارات الخارجية.

وقال إن تحسين بعض المؤشرات الإنتاجية لا يعكس بالضرورة تعافياً حقيقياً، موضحاً أن زيادة الإنتاج في بعض المناطق لا تلغي استمرار المشكلات المرتبطة بالبنية التحتية، وتراجع الخدمات الزراعية، وصعوبة وصول المزارعين إلى الموارد الأساسية.

ثلاثة مسارات لمستقبل الأمن الغذائي

ويطرح الخبير الاقتصادي ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل القطاع الزراعي في سوريا.

السيناريو الأول يتمثل باستمرار الوضع الحالي، ما قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في الأمن الغذائي، وزيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية، وتصاعد الضغوط الاجتماعية.

أما السيناريو الثاني فيرتبط بتدخل دولي محدود يسمح بتوسيع دور المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني، لكنه لن يكون كافياً لمعالجة المشكلات العميقة في القطاع.

بينما يعتمد السيناريو الثالث على جعل الزراعة أولوية وطنية، عبر إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم المحاصيل الاستراتيجية، وتطوير نظم الري، بما يساعد على استعادة دور القطاع في توفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

ويؤكد الكريم أن إعادة بناء الزراعة تتطلب تعاوناً بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، مشدداً على أهمية الحفاظ على الأراضي الخصبة وعدم التفريط بها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، لما لذلك من تأثير مباشر على مستقبل الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في سوريا.

اقرأ أيضاً:قرار حظر الدراجات النارية في الحسكة يثير موجة احتجاجات واسعة.. ومخاوف من أزمة معيشية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.