بين السعر الرسمي والموازي للدولار.. فجوة الصرف تربك الاقتصاد السوري

في مشهد نقدي يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، تتسع الهوة بين سعر الصرف الرسمي الذي يعلنه مصرف سوريا المركزي وسعر التداول الفعلي في السوق الموازية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول جدوى الإبقاء على سعر منخفض لا ينسجم مع حركة العرض والطلب، وحول كلفة هذه السياسة على الاقتصاد المحلي والإنتاج والمعيشة.

وبحسب النشرة الرسمية الأخيرة الصادرة عن مصرف سوريا المركزي، لا يزال الدولار الأميركي مثبتاً عند نحو 111 ليرة سورية جديدة للبيع، أي ما يعادل 11,100 ليرة قديمة، وهو مستوى حافظ عليه المصرف منذ أسابيع بالتزامن مع استمرار العملة السورية الجديدة التي طُرحت مطلع العام الجاري بعد حذف صفرين من الفئات السابقة.

السوق الموازية تكشف الفارق الحقيقي

في المقابل، تظهر السوق السوداء واقعاً مختلفاً تماماً، إذ تجاوز سعر الدولار خلال الأيام الماضية حاجز 13 ألف ليرة قديمة، مسجلاً نحو 13,150 ليرة للشراء و13,220 ليرة للبيع، بفارق يتجاوز ألفي ليرة عن السعر الرسمي، وهو فارق لم يعد مجرد رقم في نشرات الصرف، بل تحوّل إلى عامل ضغط مباشر على الأسواق وحركة الاستيراد والإنتاج والتسعير.

وتشير متابعات اقتصادية محلية إلى أن هذا التناقض بين السعرين خلق حالة من الازدواجية النقدية، حيث تتعامل المؤسسات الرسمية والتجار والمستوردون وفق أسعار مختلفة، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في مواجهة موجات الغلاء وعدم استقرار الأسعار.

كما رصدت نقاشات اقتصادية واسعة خلال الأسبوع الماضي تجاوز سعر الصرف في التداولات غير الرسمية مستوى 13 ألف ليرة بشكل شبه موحد في معظم المناطق السورية.

ليرة فقدت معظم قيمتها

وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من التدهور الحاد في قيمة العملة السورية، إذ فقدت الليرة أكثر من 99 بالمئة من قيمتها منذ عام 2011، بعدما كانت تتداول عند حدود 50 ليرة للدولار الواحد قبل الحرب، قبل أن تصل إلى مستويات تقارب 10 آلاف ليرة ثم تتجاوزها لاحقاً، وهو ما دفع السلطات النقدية إلى إصدار عملة جديدة مطلع 2026 في محاولة لاحتواء الانهيار الشكلي واستعادة الثقة.

ورغم هذه الخطوة، ما يزال الاقتصاد السوري يرزح تحت ضغوط سيولة كبيرة، مع استمرار محدودية التمويل الخارجي وتعثر الاستثمار، بينما قدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد السوري في حدود 1 بالمئة فقط بعد انكماش سابق بلغ 1.5 بالمئة، وسط استمرار هشاشة البنية الإنتاجية وضعف القدرة الشرائية.

تحذيرات من سعر صرف “مصطنع”

الخبير الاقتصادي جورج خزام حذّر من أن اعتماد سعر صرف منخفض “وهمي” للدولار لا يعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي، معتبراً أن تثبيت السعر عند مستويات قريبة من 13 ألف ليرة يفاقم الاختلالات البنيوية بدلاً من معالجتها، بينما قد يكون اعتماد سعر أكثر واقعية يقترب من 17 ألف ليرة أقل ضرراً وأكثر انسجاماً مع حركة السوق.

وبحسب خزام، فإن تثبيت الدولار عند مستوى منخفض يجري عملياً عبر سياسات نقدية تقوم على تجفيف السيولة بالليرة السورية وتقييد السحب والتداول، ما يؤدي إلى انكماش الكتلة النقدية المتاحة بين أيدي المواطنين والصناعيين، ويؤثر مباشرة في الطلب والاستهلاك والاستثمار، لتدخل السوق في دائرة ركود متصاعدة.

ويرى أن هذا النهج لا يمنح الليرة قوة حقيقية، بل يصنع استقراراً شكلياً قائماً على كبح التداول، في وقت تبقى فيه أساسيات الاقتصاد من إنتاج وصادرات واحتياطي نقدي عاجزة عن دعم هذا السعر.

المستوردات تستفيد والمنتج المحلي يخسر

ومن أبرز نتائج الإبقاء على سعر صرف منخفض مصطنع، بحسب التقديرات الاقتصادية، أن المستوردات تصبح أرخص نسبياً من السلع المنتجة محلياً، ما يمنح البضائع الأجنبية قدرة تنافسية أعلى داخل السوق السورية، ويؤدي تدريجياً إلى إغراق الأسواق بمنتجات مستوردة على حساب الصناعة الوطنية.

هذا الاختلال ينعكس بدوره على الميزان التجاري، حيث تستمر فاتورة الاستيراد بالتضخم مقابل ضعف واضح في الصادرات، الأمر الذي يزيد الطلب على الدولار في السوق الموازية ويعمّق العجز النقدي.

وتشير بيانات اقتصادية مستقلة إلى أن التضخم ما يزال مرتفعاً في الأسواق السورية، وأن أسعار الغذاء والخدمات الأساسية تواصل الصعود رغم محاولات تثبيت سعر الصرف، ما يعني أن انخفاض الدولار الرسمي لم ينجح فعلياً في كبح الغلاء أو تحسين القوة الشرائية للمواطنين.

تضارب التسعير يربك الصناعيين والتجار

ولا تقتصر الأزمة على الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، بل تمتد إلى تعدد أسعار الصرف المستخدمة في التسعير الحكومي والتجاري، إذ تُحتسب بعض المواد الحيوية والمحروقات وفق أسعار مختلفة عن النشرة الرسمية، بينما تُسلّم بعض الحوالات وفق متوسطات خاصة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

وفي هذا السياق، أوضح مصرف سوريا المركزي خلال الأيام الماضية أن الحوالات الخارجية ستُسلّم بالليرة السورية وفق متوسط متوازن بين سعره التأشيري وسعر السوق الموازية، في خطوة تعكس اعترافاً غير مباشر بأن السعر الرسمي وحده لم يعد قابلاً للتطبيق الكامل في المعاملات اليومية.

هذا التعدد في المرجعيات السعرية، بحسب مراقبين، يجعل من الصعب على الصناعي أو التاجر وضع خطط واضحة للإنتاج أو التسعير أو الاستيراد، في ظل غياب مؤشر صرف موحد ومستقر يمكن البناء عليه.

احتياطيات محدودة وهامش مناورة ضيق

وتبقى قدرة المصرف المركزي على الدفاع عن السعر الرسمي محدودة في ظل شح الاحتياطيات الأجنبية، إذ كانت تقديرات سابقة أشارت إلى أن الاحتياطي النقدي القابل للاستخدام لا يتجاوز بضع مئات ملايين الدولارات، وهو رقم متواضع قياساً بحجم الطلب المحلي على القطع الأجنبي ومتطلبات تمويل الاستيراد.

ومع هذا الواقع، يرى اقتصاديون أن سياسة تثبيت السعر الرسمي عند مستويات أدنى من السوق قد تمنح انطباعاً مؤقتاً بالاستقرار، لكنها لا تعالج جذور الأزمة، بل تؤجل انفجارها إلى لحظة تصبح فيها الفجوة أكبر من قدرة السوق على الاحتمال.

المركزي يتمسك بخيار “الاستقرار”

من جهته، يؤكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر الحصرية أن أولوية المصرف حالياً ليست دفع الدولار إلى الهبوط بقدر ما هي تحقيق استقرار نسبي في سعر الليرة أمام العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن السعر الرسمي هو سعر “تأشيري” يعكس السياسة النقدية العامة، بينما يجري العمل على جعل الأسعار المتداولة أكثر قرباً من الواقع وبصورة تدريجية.

لكن بين السعر التأشيري الذي تعلنه النشرات، والسعر الفعلي الذي يحكم السوق، يبقى الاقتصاد السوري عالقاً في منطقة رمادية؛ فلا الليرة استعادت قوتها الحقيقية، ولا السوق حصلت على سعر واضح يمكن الاعتماد عليه، بينما تستمر الكلفة بالانتقال بصمت إلى جيوب السوريين وإلى ما تبقى من قطاعات إنتاجية منهكة.

 

اقرأ أيضاً:موازنة سوريا 2025-2026: لغز الفائض المتلاشي وتحديات العجز القادم

اقرأ أيضاَ:اضطراب مضيق هرمز ينعكس على الاقتصاد السوري بشكل غير مباشر ومحدود

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.