إيجارات المحال في سوريا تلتهم أرباح المشروعات.. هل أصبح العقار شريكاً إجبارياً؟

لم يعد إطلاق مشروع صغير في سوريا يبدأ بحساب كلفة المعدات والبضاعة والعمالة، بل بسؤال أكثر قسوة: كم سيكلف المكان الذي سيُقام فيه المشروع؟ فارتفاع إيجارات المحال التجارية حوّل الموقع من أداة للعمل إلى عبء يسبق الإيرادات، وأصبح جزء من رأس المال مهدداً بالذهاب إلى المالك قبل أن يبيع صاحب المشروع منتجاً واحداً.

وتكشف حالات في دمشق وريفها وحلب وحمص أن الإيجار بات يضغط مباشرة على هامش الربح، ويدفع بعض أصحاب المشروعات إلى تقليص نشاطهم أو العودة إلى العمل من المنزل، فيما يفضل آخرون إغلاق محالهم أو البحث عن بدائل أقل كلفة.

الإيجار يأكل المشروع قبل أن يبدأ

يدفع تاجر مواد غذائية في باب سريجة نحو 40% من أرباحه المتوقعة للإيجار، فيما اضطرت صاحبة مشروع لبيع ألبسة الأطفال في أشرفية الوادي إلى ترك محلها بعد رفع بدل الإيجار من 120 إلى 200 دولار خلال أشهر قليلة.

أما في باب الجابية، فيصف أحد أصحاب محال إكسسوارات الهواتف الإيجار بأنه “الشريك الصامت” الذي يحصل على حصته من كل عملية بيع، قبل أن يتبقى لصاحب المشروع ما يغطي بقية التكاليف.

وتشير عينة من عروض الإيجارات التجارية إلى نطاقات تبدأ من نحو ألفي دولار سنوياً للمحال الصغيرة في الأسواق الشعبية، وترتفع إلى عشرات آلاف الدولارات في المواقع الحيوية.

المفارقة أن بعض هذه الإيجارات يتجاوز رأس المال المطلوب لإطلاق مشروع صغير نفسه، ما يعني أن المستثمر قد يحتاج إلى سنوات من العمل فقط لتعويض كلفة المكان.

سوق عقارية منفصلة عن قدرة التجار

يربط خبراء الارتفاع بعوامل تتداخل فيها المضاربة العقارية، وقلة المعروض التجاري، وتحويل العقارات إلى استثمارات ريعية، إضافة إلى شراء بعض المغتربين للمحال بأسعار مرتفعة ثم طرحها للإيجار بعوائد عالية.

وفي ظل توقف جزء من البناء التجاري الجديد، تصبح المساحات المتاحة أكثر ندرة، فيما ترتفع الأسعار وفق قاعدة “الأعلى سعراً” أكثر مما ترتبط بقدرة المشروع على تحقيق ربح حقيقي.

والنتيجة سوق عقارية تنظر إلى المحل باعتباره أصلاً استثمارياً، بينما ينظر إليه التاجر باعتباره أداة إنتاج. وبين النظرتين، يدفع صاحب المشروع الفاتورة.

الحكومة غائبة عن تنظيم العلاقة

لا تبدو المشكلة في ارتفاع الإيجارات وحده، بل في غياب أدوات تحمي التوازن بين مالك العقار والمستثمر. فالإيجارات التجارية تُترك إلى حد كبير لآليات السوق، من دون سقوف واضحة للزيادات أو سياسات تخفف العبء عن المشروعات الصغيرة التي يفترض أن تكون أحد محركات الاقتصاد المحلي.

وهنا تواجه الحكومة السورية مسؤولية تتجاوز مطالبة التاجر بالتكيف. فترك المشروعات الصغيرة وحيدة أمام إيجارات متضخمة يعني عملياً دعم اقتصاد الريع العقاري على حساب اقتصاد الإنتاج والتجارة والخدمات.

ولا يكفي أن يُقال للتاجر: ابحث عن محل أرخص. فحين تصبح معظم الخيارات مكلفة، يتحول “الاختيار” إلى وهم.

مشروع بلا محل.. هل تكون البدائل أرحم؟

يدفع ارتفاع الإيجارات بعض أصحاب المشروعات إلى العمل من المنزل، والبيع عبر الإنترنت، والمشاركة في المحال، واستخدام المساحات المشتركة والمطابخ السحابية والتخزين خارج المواقع التجارية.

وقد تكون هذه النماذج أكثر مرونة وأقل كلفة، لكنها لا تصلح لكل الأنشطة. فالمشكلة ليست في غياب البدائل فقط، بل في أن بيئة الأعمال نفسها تدفع المستثمر إلى الابتعاد عن الشكل التقليدي للمشروع لأنه لم يعد قادراً على تحمل كلفته.

وتبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى سياسة تجارية وعقارية واضحة، تشمل ضبط الزيادات السنوية في الإيجارات، وتخصيص مناطق حرفية وتجارية بإيجارات مخفضة، وتشجيع حاضنات الأعمال والمساحات المشتركة.

فالمحل التجاري يفترض أن يكون منصة لانطلاق المشروع، لا أن يتحول إلى أول مشروع ينجزه صاحب العقار على حساب صاحبه. وعندما يصبح الإيجار أكبر من قدرة المشروع على تحقيق الربح، فإن المشكلة لم تعد في التاجر الذي فشل في إدارة مشروعه، بل في سوق جعلت الاستمرار نفسه صفقة خاسرة.

 

اقرأ أيضاً: إيجارات درعا تبتلع دخول السوريين.. سوق عقارية بلا ضوابط وفجوة تتسع بين الأسعار والقدرة الشرائية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.