الفاو: سوريا عند حافة الجوع… 13.4 مليون يواجهون انعدام الأمن الغذائي وسط انهيار الإنتاج وتوسع الكارثة الريفية

في مشهد يعيد رسم ملامح الأزمة السورية من بوابة الغذاء لا السياسة، كشف برنامج الأغذية والزراعة التابع للأمم المتحدة (الفاو) أن البلاد ما تزال غارقة في واحدة من أخطر موجات انعدام الأمن الغذائي، حيث يواجه نحو 13.4 مليون شخص مستويات حادة من الجوع، فيما تعجز نسبة تصل إلى 30% من الأسر عن تأمين احتياجاتها اليومية من الغذاء.

الأرقام التي جاءت في إحاطة صحفية عقب إطلاق خطة الطوارئ والقدرة على الصمود للفترة 2026–2028، لا تقدم توصيفاً عابراً لأزمة معيشية، بل ترسم صورة بلد يواصل الانحدار تحت ضغط الجفاف، وانهيار الإنتاج الزراعي، وتآكل البنية الريفية التي كانت يوماً ما العمود الفقري للأمن الغذائي.

جفاف يضرب الإنتاج… والقمح يتراجع 60%
بحسب القائم بأعمال ممثل الفاو في سوريا، بيرو-توماسو بيري، فإن الجفاف الحاد الذي رافق موسم 2024/2025 أدى إلى تراجع إنتاج القمح بنحو 60%، ما خلق فجوة وطنية تُقدّر بحوالي 2.7 مليون طن، في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ولم تتوقف التداعيات عند الحبوب، إذ سجل قطاع الثروة الحيوانية انخفاضاً حاداً يتراوح بين 40 و50%، في مؤشر إضافي على تآكل منظومة الغذاء الريفي وتراجع قدرة الأسر الزراعية على الاستمرار في الإنتاج أو حتى الحفاظ على ما تبقى من أصولها.

الأرياف تحت الخطر… من الجوع إلى الذخائر المتفجرة
لكن الجفاف ليس وحده ما يطوق الريف السوري. فبحسب الفاو، لا تزال الذخائر المتفجرة تمثل تهديداً مباشراً لحياة السكان وإنتاجهم، حيث تم تسجيل 1299 حادثة منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أسفرت عن 2325 ضحية.

هذه الأرقام تعكس واقعاً يومياً قاسياً، حيث قد يتحول “مجرد حراثة الأرض أو رعي المواشي أو حصاد المحاصيل” إلى مهمة مميتة، في بلد باتت فيه الأرض نفسها تحمل خطرها الخاص، لا فقط ما يُزرع فيها أو يُحصد منها.

بين الإزالة والتمويل… استجابة ناقصة لأزمة متفاقمة
ورغم التعاون بين الفاو وخدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) بدعم من الحكومة اليابانية، فإن الاستجابة تبقى محدودة أمام حجم الكارثة. فعمليات إزالة المخاطر الزراعية لا تزال تواجه فجوة تمويلية كبيرة، إذ لم يُغطَّ حتى عام 2025 سوى 16% من الاحتياجات المطلوبة لقطاع الأمن الغذائي وسبل العيش.

هذا العجز المالي يعمّق فجوة التعافي، ويؤخر أي إمكانية فعلية لإعادة إحياء الإنتاج الزراعي أو إعادة السكان إلى أراضيهم بشكل آمن ومستدام.

خطة إنقاذ مؤجلة… و9.8 مليون في دائرة الاستهداف
في محاولة لاحتواء الانهيار المتسارع، أطلقت الفاو خطة الطوارئ والقدرة على الصمود 2026–2028، التي تستهدف الوصول إلى 9.8 مليون شخص، بتمويل مطلوب يقدر بنحو 286 مليون دولار أميركي.

لكن بين حجم الاحتياج وحجم التمويل الفعلي، تبدو الفجوة أكبر من مجرد أرقام، لتتحول إلى سؤال مفتوح حول قدرة الاستجابة الدولية على مواكبة انهيار متسارع في بلد تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والمناخية والأمنية في آن واحد.

في المحصلة، لا تبدو الأزمة الغذائية في سوريا مجرد امتداد لأزمة طويلة، بل مرحلة أكثر قسوة تتقاطع فيها ندرة الغذاء مع تراجع الإنتاج، والخطر الأمني مع ضعف التمويل، في مشهد يجعل من الأمن الغذائي نفسه قضية وجودية لملايين السوريين، لا مجرد مؤشر اقتصادي.

 

اقرأ ايضاً: وزير الزراعة السوري يبحث آليات تنفيذ مشاريع دعم الريف والأمن الغذائي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.