زيادة الرواتب في سوريا: تفاوات حاد يشعل غضب الموظفين ويضرب العدالة الوظيفية

أثارت جداول الرواتب الجديدة التي أقرّتها الحكومة السورية تحت مسمى “الزيادة النوعية” موجة واسعة من الجدل والانتقادات الحادة في الأوساط الوظيفية والنقابية. وجاءت هذه الردود وسط اتهامات متزايدة بأن القرارات الجديدة كرّست تفاوتاً طبقياً وحاداً بين العاملين في مؤسسات الدولة، بدلاً من أن تؤسس لمعالجة فعلية وعادلة للأزمة المعيشية والاقتصادية المتفاقمة.

وبحسب الجداول المتداولة، فقد اقتصرت هذه الزيادات على قطاعات محددة (مثل التربية، التعليم العالي، الصحة، الجهات الرقابية، المصرف المركزي، والأوقاف)، في حين بقيت وزارات ومؤسسات استراتيجية أخرى خارج إطار الدعم، مما خلق فجوات مالية واسعة بين موظفين يحملون المؤهلات العلمية والخبرات ذاتها.

استثناء القطاعات الحيوية وتعميق الفجوة بين الموظفين

يرى مراقبون ومتابعون للشأن السوري أن “الزيادة النوعية” لم تشمل عملياً سوى شريحة محدودة من الجسم الوظيفي، تاركة الكتلة الأكبر من العاملين في الدولة خارج نطاقها.

وجاء هذا التهميش ليطال قطاعات لا تقل خطورة أو أهمية في استمرار عجلة الدولة، ومنها:

  • البنى التحتية والطاقة.

  • الصناعة والزراعة.

  • الخدمات الفنية والقطاعات القانونية.

لغة الأرقام: فروقات صادمة في الرواتب المقطوعة

كشفت البيانات عن تباين لافت في الأجور؛ إذ تراوحت رواتب المعلمين والإداريين في قطاع التربية بين 23 ألفاً و26 ألف ليرة سورية جديدة، بينما قفزت رواتب بعض المناصب الإدارية العليا في قطاع التعليم العالي لتتجاوز 134 ألفاً، ومع احتساب التعويضات وصل الإجمالي إلى أكثر من 218 ألف ليرة. وفي المقابل، تجمّدت رواتب المهندسين، الاقتصاديين، المحامين، والأطباء البيطريين في القطاعات الأخرى عند حدود 21 ألف ليرة فقط.

قطاع التربية والتعليم: غياب معايير التوزيع يثير التساؤلات

في وزارة التربية، توسعت دائرة الانتقادات لتشمل آلية التطبيق نفسها. فقد مُنحت الزيادة لبعض العاملين الإداريين استناداً إلى “صفتهم التعليمية السابقة”، رغم أنهم يشغلون حالياً وظائف إدارية بحتة (كأمناء السر، أمناء المكتبات والمستودعات، المرشدين، والمخبريين).

هذا التناقض فجّر تساؤلات كبرى حول مبدأ العدالة الوظيفية؛ حيث يؤدي موظفان المهام ذاتها في المؤسسة نفسها، لكن برواتب مختلفة تماماً بناءً على خلفياتهم الوظيفية القديمة وليس طبيعة عملهم الحالية. وحذر خبراء من أن هذا الخلل قد يدفع الكوادر التعليمية مستقبلاً نحو الأعمال الإدارية الأقل ضغطاً للاحتفاظ بالتعويضات.

مفارقة إضافية: أثار ورود بند خاص أسفل جداول وزارة المالية ينص على تطبيق المرسوم 67 (زيادة الـ 50%) على مشفى إدلب الجامعي وجامعة إدلب والجهات المرتبطة بها، تساؤلات إضافية حول المعايير المعتمدة في تصنيف وشمل بعض المؤسسات واستثناء أخرى داخل الوزارة ذاتها.

القطاع الصحي: استبعاد الكوادر المساندة ينذر بشرخ داخلي

لم يكن القطاع الطبي بمعزل عن حالة الاحتقان، حيث تصاعدت الاحتجاجات بعد استبعاد فئات وظيفية أساسية في وزارة الصحة من “الزيادة النوعية”، ومنها:

  • الممرضون والفنيون.

  • المستخدمون والكوادر الإدارية المساندة.

وتم الإبقاء على هذه الفئات ضمن إطار زيادة الـ 50% التقليدية فقط، مما خلق تفاوتاً داخلياً غير مبرر في المنشأة الصحية الواحدة. واعتبرت الكوادر الطبية أن هذا التهميش يهدد بخلق شرخ بيئي ووظيفي يؤثر سلباً على جودة الخدمات الطبية، خاصة في ظل النقص الحاد في الكوادر والضغط الكبير الذي تعانيه المستشفيات الحكومية.

تغييب “الأقدمية الوظيفية” وإلغاء قيمة الخبرة

من أبرز المآخذ على الجداول الجديدة هو غياب معيار سنوات الخدمة والخبرة المتراكمة؛ حيث تساوت رواتب الموظفين الجدد المعينين حديثاً مع أجور أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة العامة. هذا التوجه اعتبره الكثيرون إلغاءً فعلياً لقيمة التدرج الوظيفي، وتدميراً للحافز المهني والاستقرار الاستراتيجي داخل القطاع العام.

تحذيرات اقتصادية: زيادة وهمية يلتهمها التضخم

المشكلة الهيكلية الانعكاس المباشر على سوق العمل والمواطن
غياب المعايير الموحدة اعتماد التصنيف بناءً على “اسم الوزارة” بدلاً من المؤهل العلمي والجهد، مما يرسخ الاحتقان.
الارتفاع الجنوني للأسعار تحوّل الزيادات إلى “أرقام وهمية” يلتهمها التضخم وتراجع القدرة الشرائية سريعاً.
تجميد الحد الأدنى للأجور بقاء الأجور بعيدة عن الواقع المعيشي وانهيار قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية.
نزيف الكفاءات العلمية توقعات بعزوف الخريجين عن الاختصاصات غير المشمولة بالدعم، وهجرتهم نحو القطاع الخاص أو الخارج.

خلاصة وتوصيات

في الوقت الذي تدافع فيه الحكومة عن خطوتها باعتبارها محاولة لتحسين الواقع المعيشي وتحفيز القطاعات الحيوية، يؤكد خبراء الاقتصاد أن غياب رؤية شاملة لإصلاح الأجور وربطها بالإنتاجية يحوّل بعض المؤسسات إلى قطاعات “محظوظة” على حساب قطاعات خدمية أساسية أخرى.

وتتعالى اليوم الدعوات الشعبية والنقابية بضرورة سحب هذه الجداول وإعادة النظر في آلية توزيع الدخل، لوضع سلم أجور متوازن يضمن الحد الأدنى من التوازن والعدالة الاجتماعية بين جميع العاملين في الدولة.

إقرأ أيضاً: وزارة المالية تنشر جداول زيادات الرواتب لقطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي

اقرأ أيضاً:أسعار الصرف قبل عيد الأضحى: الليرة تحت ضغط الاستيراد المزدوج والقمح يستنزف الدولار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.