زراعة سهل الغاب تفقد جدواها.. المازوت المخفض لا ينقذ محصولاً لا يغطي كلفته
لم تعد مشكلة الزراعة السورية تختصر في سعر ليتر المازوت، بعدما اتسعت كلفة الإنتاج إلى حدود تضيق معها قدرة المزارع على الاستمرار. فالمحروقات ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة تضم البذار والأسمدة والمبيدات واليد العاملة والنقل، فيما يأتي الخطر الأكبر عند نهاية الموسم، حين يجد المزارع نفسه أمام محصول قد لا يباع بسعر يعيد إليه ما أنفقه.
في سهل الغاب، حيث يفترض أن وفرة المياه والأمطار أن تمنح الزراعة هامشاً أفضل للاستمرار، بدأت المعادلة تنقلب. بعض المزارعين أحجموا خلال الموسم الماضي عن زراعة محاصيل كانت حاضرة بصورة اعتيادية في المنطقة، بينها الذرة الصفراء والفاصولياء الكلاوي، بعدما لم تعد كلفة زراعتها تتناسب مع العائد المتوقع منها.
ما يخففه المازوت لا تعوضه السوق
يشكل تخصيص المازوت الزراعي بسعر 115 ليرة لليتر محاولة لتخفيف جزء من كلفة الإنتاج، وهو إجراء يمكن أن يخفف العبء المباشر عن المزارع، لكن أثره يبقى محدوداً إذا لم يصل الوقود فعلياً إلى مستحقيه وفي الوقت المناسب.
ويؤكد الخبير الزراعي أكرم عفيف أن المازوت يمثل جزءاً من تكلفة الإنتاج، لكنه ليس المشكلة الوحيدة، إذ ارتفعت مختلف مستلزمات الزراعة في مقابل انخفاض المردود المادي للمزارع. ويشير إلى أن جدوى الدعم ترتبط أولاً بوصول المازوت المخصص للزراعة إلى الفئات المستحقة، لا بمجرد الإعلان عن سعر مخفض.
وهنا تظهر إحدى مشكلات السياسة الزراعية الحالية: التركيز على مدخل واحد من مدخلات الإنتاج، بينما تتراكم بقية الأكلاف فوق المزارع من دون منظومة متكاملة قادرة على حمايته من الخسارة.
فالمزارع قد يحصل على مازوت أرخص، لكنه سيظل مضطراً إلى شراء السماد والمبيدات ودفع أجور العمال والنقل، ثم البحث عن سوق تشتري محصوله بسعر يسمح له بإعادة الدورة الزراعية في الموسم التالي.
حين يصبح ترك الأرض أقل خسارة
تكمن خطورة الوضع في أن الخسارة الزراعية لا تتوقف عند موسم واحد. فعندما يزرع المزارع محصولاً ولا يستطيع استرداد كلفته، يصبح الامتناع عن زراعته في الموسم التالي قراراً اقتصادياً منطقياً بالنسبة إليه، حتى لو كانت الأرض والمياه متوفرتين.
وهذا ما بدأ يظهر في سهل الغاب، بحسب عفيف، الذي يربط عزوف بعض المزارعين عن زراعة محاصيل تحميلية بارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الأسعار وصعوبة تصريف الإنتاج.
وتكشف هذه المعادلة خللاً يتجاوز المزارع الفرد، لأن تراجع المساحات المزروعة يعني لاحقاً انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية، بما يحمله ذلك من أعباء إضافية على الأسعار والاستيراد.
دعم بلا منظومة
يحتاج القطاع الزراعي إلى أكثر من قرارات سعرية متفرقة. فوفق عفيف، المطلوب إدارة الموارد الزراعية بصورة متكاملة وتقديم أشكال الدعم اللازمة للقطاعين النباتي والحيواني، في ظل الضغط المتزايد على المنتجين.
لكن هذا النوع من الدعم يفترض سياسة واضحة تبدأ قبل الموسم ولا تنتظر وصول المزارع إلى الخسارة. فالمطلوب ليس فقط تأمين المازوت، بل توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار قابلة للتحمل، وتحسين شبكات الري، وتسهيل التمويل، وربط الإنتاج بخطط تسويق وتصريف تضمن سعراً أقرب إلى الكلفة الحقيقية.
كما أن ترك المزارع وحده في مواجهة السوق يفرغ أي دعم جزئي من مضمونه. فإذا كانت الدولة تخفض سعر المازوت من جهة، ثم يواجه المنتج سوقاً عاجزاً عن استيعاب محصوله بسعر مجزٍ من جهة أخرى، فإن جزءاً من المال العام قد يذهب عملياً إلى تخفيف كلفة إنتاج محصول سيُباع بخسارة.
الزراعة أمام خسارة أوسع
الأخطر في المشهد السوري أن الزراعة لم تعد تواجه فقط ظروفاً مناخية صعبة أو ارتفاعاً في أسعار المدخلات، بل أزمة جدوى اقتصادية متكاملة. والمزارع الذي يفقد القدرة على تحقيق دخل من أرضه لن يستمر في الإنتاج بدافع الواجب، مهما كانت أهمية المحصول للأمن الغذائي.
لذلك فإن نجاح سياسة المازوت الزراعي لا يقاس بالسعر المعلن، بل بعدد المزارعين الذين يصل إليهم، وبقدرته على خفض كلفة الإنتاج فعلياً، وبما إذا كان المنتج في نهاية الموسم يستطيع بيع محصوله واستعادة رأس ماله.
وفي سهل الغاب، تبدو الإشارة المبكرة أكثر وضوحاً: أرض تتوفر لها المياه، ومزارعون يملكون الخبرة، ومحاصيل يمكن إنتاجها، لكن بعضهم بدأ ينسحب منها لأن الحساب النهائي لم يعد لصالحه.
وحين يصل المزارع إلى هذه النقطة، فإن المشكلة لم تعد في كلفة المازوت وحدها، بل في سياسة زراعية تترك المنتج يدفع معظم كلفة الإنتاج ويتحمل كامل مخاطر السوق، بينما يأتي الدعم متأخراً ومجزأً. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا تكون الخسارة في موسم زراعي واحد، بل في المساحات التي ستخرج تدريجياً من دورة الإنتاج وفي مزارعين سيتخلون عن مهنة لم تعد تضمن لهم كلفة عيشهم.
اقرأ أيضاً: مزارعو الحسكة بلا مستحقات ولا مازوت.. تأخر القمح يهدد موسم الزراعة الجديد