زيارة غوتيريش المرتقبة لدمشق: اختبار أممي لمستقبل الحكومة الانتقالية في سوريا
بينما تسارع الحكومة السورية الانتقالية إلى تقديم نفسها بوصفها شريكاً جديداً للمجتمع الدولي، تبدو زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المرتقبة إلى دمشق، في نهاية تموز الجاري، محطة سياسية مفصلية قد تعيد لسوريا حضوراً أممياً أكثر فاعلية بعد سنوات من العزلة، لكنها في الوقت نفسه تضع السلطة الجديدة أمام اختبار صعب: هل يكفي الانفتاح الدبلوماسي لتعويض دولة أنهكتها الحرب، وتفتقر إلى مؤسسات قادرة على تحويل الاعتراف الدولي إلى واقع ينعكس على حياة السوريين؟
الزيارة، الأولى لأمين عام الأمم المتحدة منذ عام 2009، تأتي في لحظة تحاول فيها دمشق الانتقال من خطاب “إدارة الأزمة” إلى خطاب “التعافي”، وسط دعم دولي متزايد لوحدة الأراضي السورية، يقابله استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب السوري، واستمرار الانتهاكات العسكرية التي تُبقي السيادة السورية منقوصة رغم كل التحولات السياسية.
عودة سياسية… لا تعني نهاية العزلة
ورغم الحديث عن إعلان استعادة سوريا دورها الكامل داخل الأمم المتحدة، فإن الحقيقة القانونية مختلفة؛ فسوريا لم تفقد عضويتها في المنظمة الدولية يوماً، لكنها خسرت، طوال سنوات الحرب، قدرتها على التأثير داخل مؤسساتها، وتحولت من دولة فاعلة إلى ملف إنساني وأمني دائم على طاولة مجلس الأمن.
واليوم، تحاول الحكومة تقديم نفسها باعتبارها بداية مرحلة جديدة، إلا أن هذا المسار لا يزال يصطدم بواقع داخلي هش، واقتصاد منهك، ومؤسسات تعاني ضعفاً كبيراً، الأمر الذي يجعل أي مكاسب دبلوماسية عرضة للتآكل إذا لم تقترن بإصلاحات حقيقية تعيد بناء الإدارة العامة والخدمات الأساسية.
الاحتلال الإسرائيلي… العقبة التي لا يغيب ظلها
وفي موازاة الانفتاح الدولي، يبقى الاحتلال الإسرائيلي أبرز التحديات أمام أي حديث عن استعادة سوريا مكانتها الطبيعية.
فبينما أكد معظم أعضاء مجلس الأمن ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، تواصل قوات الاحتلال توغلاتها داخل الأراضي السورية، وتوسيع نطاق وجودها العسكري بعد سقوط النظام السابق، في انتهاك لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وفق ما أكدته الأمم المتحدة مراراً.
ومن المتوقع أن يجدد غوتيريش، خلال زيارته، موقف المنظمة الرافض لهذه الانتهاكات، والمطالب بانسحاب الاحتلال من الأراضي التي دخلتها بعد كانون الأول 2024، إلا أن التجربة السورية الطويلة مع القرارات الدولية تجعل كثيرين ينظرون إلى هذه المواقف بوصفها بيانات سياسية أكثر منها أدوات قادرة على فرض الوقائع على الأرض.
الدبلوماسية وحدها لا تكفي
وتأمل الحكومة الانتقالية أن يفتح الحضور الأممي الباب أمام برامج أوسع لإعادة الإعمار، واستقطاب التمويل الدولي، وتعزيز التعاون مع وكالات الأمم المتحدة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
لكن الطريق إلى ذلك لا يزال مليئاً بالعقبات. فالمجتمع الدولي لا يقيس نجاح الحكومات بعدد الزيارات الرسمية، بل بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وترسيخ سيادة القانون، وتحسين الواقع الاقتصادي، وهي ملفات ما تزال تشهد تباطؤاً واضحاً في الأداء الحكومي، بينما يعيش السوريون أزمات معيشية متفاقمة، وانهياراً في الخدمات، وتراجعاً في القدرة الشرائية.
وفي المقابل، يواصل المسؤولون السوريون الحديث عن نجاحات دبلوماسية ومؤشرات اقتصادية إيجابية، إلا أن هذه الرواية تصطدم يومياً بواقع مختلف في الداخل، حيث لا تزال الأولويات الأساسية للمواطنين تتمثل في الكهرباء والمياه وفرص العمل والاستقرار المعيشي.
وبين الانفتاح الدولي المتسارع، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتعثر الإصلاحات الداخلية، تبدو زيارة غوتيريش أكثر من مجرد محطة بروتوكولية؛ فهي اختبار لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحويل الاعتراف السياسي إلى إنجازات ملموسة، لا إلى رصيد دبلوماسي جديد يضاف إلى قائمة الوعود التي طال انتظار ترجمتها على أرض الواقع.
اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة: الانتقال السياسي في سوريا بين “الفرص والهشاشة”