حفر الكنوز يدمّر آثار حلب.. نقص الحراس والتمويل يترك المواقع السورية مكشوفة

تكشف أعمال التنقيب غير المشروع في منطقة السفيرة بريف حلب الشرقي عن خلل يتجاوز تعديات الباحثين عن الكنوز؛ فثلاثة مواقع تعرضت للحفر والتخريب، فيما تواجه الجهات المعنية صعوبة في مراقبة المساحات الأثرية الواسعة بموارد بشرية وتقنية محدودة. والنتيجة أن جزءاً من التاريخ السوري يصبح عرضة للطمس، بينما لا تتجاوز الاستجابة الرسمية، في كثير من الحالات، توثيق الضرر وتنظيم الضبوط بعد وقوعه.

الضبوط تأتي بعد تخريب الطبقات الأثرية

أظهرت معاينات مديرية آثار ومتاحف حلب وجود حفر استهدفت البحث عن الكنوز في ثلاثة مواقع. وبينما يقع أحدها داخل بيت عربي لا يُصنّف موقعاً أثرياً، يقع الموقعان الآخران ضمن مناطق أثرية، وقد كشفت المعاينة عن حفر بأحجام مختلفة وتخريب في السويات الأثرية، مع ظهور كسر فخارية.

وتقول المديرية إنها وثّقت الأضرار بالتعاون مع قسم المباحث الجنائية في السفيرة، ونظّمت الضبوط اللازمة تمهيداً لإحالة المتورطين إلى القضاء. لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تأتي بعدما يكون الضرر قد وقع، ولا تعيد الطبقات إلى مواضعها أو تسترجع المعلومات التي أضاعها الحفر العشوائي.

فالخسارة لا تقتصر على قطعة فخارية أو مقتنى يمكن نقله إلى المتحف؛ إذ يعتمد البحث الأثري على موقع القطعة والطبقة التي وُجدت فيها والعناصر المحيطة بها. وعندما تختلط هذه المكونات، يصبح تحديد التسلسل الزمني للموقع ووظيفته أكثر صعوبة، وقد تضيع معلومات لا يمكن تعويضها لاحقاً.

حماية الآثار بإمكانات لا تكفي

يرى الباحث في الممارسات الأثرية المستدامة عدنان المحمد أن التنقيب السري ظاهرة قديمة في سوريا، اتسع نطاقها خلال سنوات الحرب، مع انتشار أجهزة الكشف عن المعادن واستهداف مواقع معروفة وأخرى لم تكن مكتشفة.

وتكشف صعوبات المراقبة، المرتبطة باتساع المواقع ونقص الكوادر والموارد التقنية، فجوة بين حجم المسؤولية والإمكانات المتاحة. فحماية آلاف المواقع لا تتحقق بجولات متباعدة أو بضبط المخالفين بعد اكتشاف الحفر، بل تحتاج إلى تمويل مستقر، وفرق مدربة، وأنظمة مراقبة وتوثيق مستمرة.

ويطرح المحمد استخدام الطائرات المسيّرة لمتابعة المواقع البعيدة، إلى جانب تطوير الأرشفة الرقمية وتعزيز تعاون السكان المحليين في الإبلاغ عن التعديات. غير أن هذه الحلول تبقى مقترحات ما لم تتحول إلى خطة ممولة ذات مسؤوليات واضحة وآليات تنفيذ ومحاسبة.

المتحف يحفظ القطع ولا يستعيد سياقها

يوضح أمين المتحف الرئيسي في متحف حلب الوطني أحمد عثمان أن القطع المكتشفة أو المصادرة تخضع للجرد والتوثيق والدراسة قبل فرزها وتسليمها إلى الأقسام المختصة. لكن القطع مجهولة المصدر تفقد جزءاً من قيمتها العلمية بسبب غياب المعلومات عن مكان العثور عليها وظروف اكتشافها.

ويواجه المتحف نفسه تحديات في الحفظ، أبرزها ارتفاع المياه الجوفية والرطوبة في المستودعات السفلية، ما يستدعي تشغيل مضخات على مدار الساعة والاستعانة بالطاقة الشمسية لضمان استمرارها.

تكشف هذه الوقائع أن حماية الآثار لا يمكن اختزالها في ضبط الحفر أو تخزين القطع بعد وصولها إلى المتحف. فحين تبقى الرقابة محدودة، والموارد غير كافية، والخطط الوقائية دون مستوى الخطر، تصبح الدولة في موقع ملاحقة الخسائر بدلاً من منعها. وفي بلد يملك إرثاً تاريخياً استثنائياً، لا يُعدّ عجز الحماية تفصيلاً إدارياً؛ بل تقصيراً يترك الذاكرة السورية مكشوفة أمام السرقة والتدمير.

 

اقرأ ايضاً: آثار درعا تحت الحفر والتخريب.. أكثر من 180 موقعاً أثرياً بحماية لا تتجاوز ربع الحاجة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.