مكافحة الفساد في سوريا: هل تنجح الأجهزة الرقابية في استرداد المال العام ومحاسبة المتورطين؟
تواجه منظومة الرقابة ومكافحة الفساد في سوريا اختباراً حقيقياً لمدى فاعليتها واستقلاليتها، في ظل الكشف عن مخالفات مالية وإدارية كبيرة في عدد من المؤسسات العامة، من بينها قطاع النفط في دير الزور ومؤسستا التأمينات الاجتماعية والمعاشات في حلب. وبين إحالة مسؤولين إلى القضاء ورصد أضرار مالية بملايين الدولارات ومليارات الليرات، تبرز تساؤلات حول قدرة الأجهزة الرقابية على تحويل نتائج التحقيقات إلى محاسبة فعلية واسترداد للأموال العامة.
وكشفت التحقيقات الرقابية في قطاع النفط بدير الزور عن أضرار قُدّرت بأكثر من 28 مليون دولار، وانتهت إلى كفّ يد تسعة مسؤولين وإحالتهم إلى القضاء. كما أظهرت التحقيقات المتعلقة بمؤسستي التأمينات الاجتماعية والمعاشات في حلب تلاعباً بعقود تجاوزت قيمتها ثلاثة تريليونات ليرة سورية قديمة، وفوات إيرادات للخزينة العامة بأكثر من 90 مليار ليرة.
لكن كشف المخالفات لا يمثل وحده معياراً لنجاح مكافحة الفساد، إذ ترتبط فاعلية الرقابة بقدرتها على تحديد المسؤوليات، وضمان المحاسبة وفق القانون، واسترداد الأموال، ومنع تكرار التجاوزات، بعيداً عن الانتقائية أو التدخلات السياسية والإدارية.
استقلالية الأجهزة الرقابية في سوريا وحدود صلاحياتها
يقول الدكتور محي الدين الشحيمي، أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، لـ«963+»، إن منظومة الرقابة في سوريا تواجه تحديات تتعلق بحدود الصلاحيات، والفاعلية الإدارية، والتنسيق بين الهيئات المسؤولة عن كشف المخالفات المالية والإدارية.
ويوضح الشحيمي أن الجهاز المركزي للرقابة المالية يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، بينما تتبع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش رئاسة مجلس الوزراء، مشيراً إلى أن هذه البنية تثير تساؤلات بشأن الضمانات اللازمة للحفاظ على استقلالية العمل الرقابي.
وبحسب الشحيمي، لا توجد جهة رقابية خارجية مستقلة تتولى الإشراف على أجهزة الرقابة نفسها، فيما تخضع أعمالها لآليات تدقيق داخلية ولجان تقييم ترفع تقاريرها إلى المرجعيات التنفيذية العليا.
وفي المقابل، يكفل القانون للمفتشين والمحققين ضمانات وظيفية تهدف إلى حمايتهم من الضغوط أثناء أداء مهامهم، كما يمكن للجهات المتضررة الاعتراض على القرارات والتقارير التحقيقية النهائية من خلال اللجان التظلمية أو الطعن أمام القضاء الإداري، وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة.
ويرى الشحيمي أن تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية يتطلب تطوير الإطار القانوني الناظم لعملها، بما يضمن قدرتها على التحقيق في المخالفات ومحاسبة المسؤولين عنها دون تدخل من الجهات الخاضعة للرقابة.
كيف تُقاس فاعلية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة؟
لا يقتصر تقييم أداء الأجهزة الرقابية على عدد المخالفات المكتشفة أو قيمة الأضرار المالية المقدرة، بل يشمل أيضاً حجم الأموال المستردة فعلياً، وعدد الأحكام القضائية المنفذة، والمدة اللازمة لمعالجة الملفات، ومدى تطبيق التوصيات الرقابية.
ويشير الشحيمي إلى أهمية الجمع بين الرقابة الوقائية السابقة، التي تستهدف منع الهدر قبل وقوعه، والرقابة اللاحقة التي تكشف المخالفات بعد حدوثها.
ويلفت إلى أن الجهات الرقابية لا تنشر بانتظام نسباً موحدة وشاملة تقارن بين الأموال المطلوب تحصيلها والمبالغ التي عادت فعلياً إلى الخزينة العامة، في ظل امتداد بعض إجراءات التحصيل لفترات طويلة، ووجود عوائق قانونية ومالية، مثل الإفلاس أو تهريب الأموال.
من جهته، يقول الدكتور عامر النمر، الأكاديمي والباحث المتخصص في الشؤون السياسية في الشرق الأوسط، لـ«963+»، إن فاعلية الرقابة ترتبط بحجم المخالفات المثبتة، والأموال المستردة، والأحكام القضائية النهائية الصادرة بحق المسؤولين.
ويشدد النمر على ضرورة التمييز بين الإجراءات الاحترازية والأحكام القضائية، موضحاً أن كفّ يد المسؤول عن العمل لا يعني إدانته، إذ يتطلب إثبات المسؤولية الجنائية صدور حكم قضائي وفق الأصول القانونية.
أرقام الأموال المكتشفة والمستردة في سوريا خلال الربع الأول من 2026
بحسب البيانات التي أوردها النمر، بلغت المبالغ المكتشفة خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 70 مليار ليرة سورية، و775 مليون دولار، و23 مليون يورو، فيما بلغت المبالغ المستردة 2.76 مليار ليرة، و2.95 مليون دولار، ونحو 801 ألف يورو.
وتعكس هذه الأرقام أهمية متابعة نتائج التحقيقات بعد اكتشاف المخالفات، إلا أن النمر يحذر من اعتماد المقارنة المباشرة بين المبالغ المكتشفة والمستردة لتقييم الأداء الرقابي، لأن الأرقام قد ترتبط بملفات وفترات زمنية مختلفة.
ويشير إلى أن تقييم النتائج يتطلب بيانات أكثر تفصيلاً توضح قيمة الأموال المطالب بتحصيلها في كل ملف، والمبالغ المحجوزة، وما استُرد فعلياً، والإجراءات القضائية التي اتُخذت بشأنها.
ويقترح النمر إنشاء سجل موحد يربط الأجهزة الرقابية بالنيابة العامة والمحاكم ووزارة المالية، بما يتيح تتبع مسار كل قضية منذ اكتشاف المخالفة حتى صدور الحكم وتنفيذه واسترداد الأموال المستحقة للدولة.
محاسبة المسؤولين ومنع تأخير تنفيذ القرارات الرقابية
تستمر مسؤولية الأجهزة الرقابية، وفقاً للشحيمي، بعد إحالة الملفات إلى القضاء، من خلال متابعة مسار الدعاوى والإجراءات القانونية وصولاً إلى صدور الأحكام وتنفيذها.
ويوضح أن تعطيل التوصيات الرقابية أو إطالة التحقيقات من دون مبرر قانوني قد يرتب مسؤولية مسلكية أو جنائية على المسؤولين المعنيين، إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة.
وتشمل العقوبات التي قد تترتب على ثبوت الإدانة، بحسب طبيعة المخالفة والقوانين المطبقة، العزل من الوظيفة العامة والسجن والحجز على الأموال وفقاً للأحكام القانونية ذات الصلة.
ويؤكد هذا المسار أن إحالة الملفات إلى القضاء ليست نهاية عملية مكافحة الفساد، بل مرحلة ضمن سلسلة من الإجراءات التي ينبغي أن تنتهي بمحاسبة المسؤولين واسترداد حقوق الدولة.
كيف يمكن منع الانتقائية في ملفات مكافحة الفساد؟
تُعد المساواة في تطبيق القانون من أبرز التحديات التي تواجه منظومة الرقابة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات مالية كبيرة أو مخالفات مرتبطة بمسؤولين نافذين.
ويرى الشحيمي أن تحديد أولويات التحقيق ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، تشمل حجم الضرر المالي، وأهمية القطاع المتضرر، وطبيعة العقود الحكومية، ولا سيما في مجالات الطاقة والمشتريات الاستراتيجية.
ويضيف أن مأسسة البلاغات والشكاوى وتطوير أنظمة الأتمتة يمكن أن يحدّا من التدخل البشري واحتمالات توظيف التحقيقات لأغراض سياسية.
من جهته، يشدد النمر على ضرورة تطبيق معايير موحدة على المخالفات القديمة والجديدة، بما يشمل ملفات النفط والطاقة والجمارك والمصارف والعقود الحكومية، مع مراعاة حجم الضرر واستمرار المخالفة وخطر ضياع الأدلة.
ويؤكد أن استقلالية الأجهزة الرقابية لا تتوقف على تبعيتها الإدارية فحسب، بل تتطلب أيضاً استقلالاً وظيفياً ومالياً، وصلاحية الوصول إلى الوثائق، وضمان عدم تعرض المحققين لضغوط تؤثر في قراراتهم.
إصلاحات قانونية ورقابة رقمية لتعزيز الشفافية في سوريا
يرى الشحيمي أن تطوير منظومة مكافحة الفساد يتطلب تعديلات تشريعية تعزز استقلالية الأجهزة الرقابية، وتتيح نشر تقاريرها أمام الرأي العام، إلى جانب إقرار قوانين لحماية المبلغين والشهود من الانتقام الوظيفي أو الشخصي.
كما يشدد على أهمية التحول الرقمي، من خلال تطبيق أنظمة المشتريات الإلكترونية والرقابة الرقمية المسبقة، بما يسمح بتتبع الإنفاق العام ومراقبة العقود والمناقصات والحد من فرص التلاعب.
بدوره، يشير النمر إلى الحاجة إلى تحديث التشريعات المتعلقة بتضارب المصالح والكسب غير المشروع وإقرارات الذمة المالية والحق في الحصول على المعلومات.
ويدعو إلى نشر بيانات المناقصات والعقود الحكومية والشركات المتعاقدة مع الدولة، وتوسيع نطاق الرقابة الوقائية قبل إبرام العقود وصرف الأموال، بما يعزز الشفافية ويحد من الهدر المالي.
مستقبل مكافحة الفساد في سوريا مرهون بنتائج التحقيقات
تُظهر ملفات النفط في دير الزور والتأمينات الاجتماعية والمعاشات في حلب حجم التحديات التي تواجه الأجهزة الرقابية في سوريا، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل اكتشاف المخالفات إلى نتائج ملموسة.
ويجمع الشحيمي والنمر على أهمية تطوير مؤشرات قابلة للقياس لتقييم الأداء الرقابي، تشمل حجم الأموال المستردة، وعدد الأحكام القضائية المنفذة، والمدة اللازمة لمعالجة الملفات، ونسبة التوصيات التي نُفذت فعلياً.
وفي ظل هذه التحديات، تبقى استقلالية الأجهزة الرقابية، وشفافية التحقيقات، وتكامل العمل بين الجهات الرقابية والقضائية والمالية، عناصر أساسية لبناء منظومة قادرة على حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين دون انتقائية.
إقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السوري يحقق بفساد محتمل في قطاع الطاقة السورية.. القبلاوي والبشير ممنوعين من السفر
إقرأ أيضاً: توقيف مسؤول الأمن الدبلوماسي في حمص محمود طيارة وسط اتهامات بالفساد