القامشلي.. متقاعدون يواجهون “انتظاراً بلا نهاية” وسط أزمة رواتب تتفاقم في شمال شرقي سوريا
في مشهد يعكس هشاشة الواقع المعيشي في شمال شرقي سوريا، خرج عشرات المتقاعدين في مدينة القامشلي إلى وقفة احتجاجية جديدة، مطالبين بصرف رواتبهم التقاعدية المتأخرة منذ أشهر، وسط أزمة متصاعدة تحوّلت فيها المستحقات المالية إلى ملف مؤجل بلا سقف زمني واضح.
المحتجون، الذين تجمعوا بدعوة من “تجمع تكاتف المتقاعدين”، رفعوا لافتات تؤكد أن الرواتب حق مكتسب لا يمكن التعامل معه كمنحة أو مساعدة، مطالبين بآلية واضحة تضمن انتظام الصرف وإنهاء حالة التعطيل التي طالت ملفاتهم منذ فترة طويلة.
عام من الانقطاع… وأزمة تتعمّق بصمت
وفق شهادات المشاركين، فإن شريحة واسعة من المتقاعدين لم تتلقَّ رواتبها منذ نحو عام، فيما تجاوزت حالات فردية أخرى عامها ونصف العام، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بشكل حاد نتيجة ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف العلاج والخدمات الأساسية.
هذا الانقطاع الطويل، بحسب المحتجين، لم يترك مجالاً للانتظار، بل دفع كثيرين إلى حافة العجز المعيشي الكامل، خاصة وأن الرواتب التقاعدية تمثل مصدر الدخل الوحيد لغالبية هذه الفئة التي أنهكتها سنوات الخدمة قبل أن تُنهكها سنوات الانتظار.
دوامة المراجعات… بلا إجابة واضحة
المتقاعدون وصفوا رحلتهم مع المؤسسات المعنية بأنها سلسلة مغلقة من الإحالات والتأجيلات، حيث تُعاد ملفاتهم بين الدوائر المختلفة دون نتيجة.
أحد المتقاعدين قال إنه لم يتسلم راتبه منذ سبعة أشهر رغم مراجعات متكررة لمكاتب التأمينات والبريد، مضيفاً أن الردود غالباً ما تنتهي عند “الجهات المختصة في دمشق”، من دون حلول ملموسة على الأرض في القامشلي.
هذا الواقع، كما يصفه المحتجون، خلق حالة من “اللاقرار الإداري”، حيث تتوزع المسؤوليات بين الجهات دون أن يتحمل أحد نتيجة الانقطاع المستمر.
المتقاعدون الجدد خارج النظام
الأزمة لا تتوقف عند المتقاعدين القدامى، بل تمتد إلى المتقاعدين الجدد الذين لم تُستكمل ملفاتهم حتى الآن، بذريعة عدم جاهزية الدوائر المختصة، ما أدى إلى بقاء عدد من المستحقين خارج منظومة التقاعد بشكل كامل.
هذا التعطيل، بحسب المشاركين، يضيف طبقة جديدة من الضغط على نظام متآكل أصلاً، ويكرّس حالة من الغموض حول مستقبل حقوق آلاف العاملين السابقين في القطاع العام.
“تجمع المتقاعدين”: صوت جديد في فراغ قديم
الوقفة جاءت بعد إعلان تأسيس “تجمع المتقاعدين” في القامشلي، ككيان مدني مستقل يضم متقاعدين من مختلف الخلفيات دون انتماء سياسي، ويهدف إلى توحيد المطالب والدفاع عن الحقوق المعيشية الأساسية لهذه الشريحة.
التجمع شدد في بيانه التأسيسي على أن أولوياته تتمثل في معالجة تأخر الرواتب وتدني قيمتها، إضافة إلى المطالبة بنظام ضمان صحي خاص بالمتقاعدين، وتوفير بنية إدارية قادرة على تسريع إنجاز المعاملات المتراكمة.
أزمة معيشية تتجاوز الرواتب
ما يجري في القامشلي لا يبدو مجرد تأخر إداري، بل جزء من أزمة أوسع تضرب شمال شرقي سوريا، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع ضعف الخدمات وتراجع القدرة المؤسسية، ما يجعل فئات واسعة، وعلى رأسها المتقاعدون، في مواجهة مباشرة مع متطلبات حياة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.
وبين انتظار الرواتب وواقع الأسعار المتصاعد، يجد المتقاعدون أنفسهم في مساحة رمادية، لا هي استقرار ولا هي حلول، بل استمرار لحالة إنهاك يومي تتعمق مع مرور الوقت، دون أفق واضح لانفراج قريب.