تحقيق يوثق دور التضليل الإعلامي في تأجيج “الموجة الثالثة” للعنف بالسويداء

كشف تحقيق صحفي مشترك أعدته منصة “السويداء برس” ومنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” عن الدور المحوري الذي لعبته وسائل إعلام وحسابات رقمية في تأجيج أحداث العنف التي شهدتها محافظة السويداء خلال تموز/يوليو 2025.

وأوضح التحقيق أن تداول المعلومات المضللة والخطاب التحريضي ساهم بأسلوب مباشر في تعبئة الرأي العام والحشد المسلح ضد المجتمع الدرزي.

كما وثق التقرير، بعد تحليل أكثر من 11 ألف منشور على موقع فيسبوك، كيف تم استغلال صور لضحايا دروز قُتلوا خلال الهجمات وتحويلها إلى مادة دعائية قُدمت علناً على أنها توثق “مجازر” بحق أبناء العشائر، في عملية وصفها المُعِدّون بقلب هوية الضحايا والجناة، مما أسهم مباشرة في إشعال ما عُرف بـ”الموجة الثالثة” من العنف.

خطاب التعبئة وركائز السرديات الثلاث

تركز التحقيق على تحليل الخطاب الذي سبق وصاحب الموجة الثالثة من العنف، ورصد ثلاث سرديات رئيسية تحولت من مجرد توصيفات سياسية وأمنية إلى أدوات فعالة للتعبئة والاستقطاب، وهي “نجدة العشائر” و”بسط سلطة الدولة” و”المشروع الإسرائيلي”.

وبرزت سردية “نجدة العشائر” بقوة عقب الكلمة التي ألقاها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في 17 تموز/يوليو 2025، والتي شدد فيها على حصرية السلاح بيد الدولة مشيداً بما وصفها بـ”المواقف الوطنية للعشائر”.

وفي اليوم التالي، وجّه الشرع اتهامات للفصائل المحلية في السويداء بارتكاب “عنف مروع”، وهو ما اعتبره التحقيق توفيراً للأرضية الخصبة لخطاب إعلامي ركز بصورة متزايدة على تصوير أبناء العشائر البدوية كضحية جماعية لاعتداء منظم.

آليات التغطية الرسمية ودور المصطلحات العشائرية

اعتمدت التغطيات الإعلامية الرسمية وتلك القريبة من السلطة، بما فيها المواد المعروضة عبر وكالة “سانا” والتلفزيون السوري، على بيانات مجلس القبائل والعشائر وتصريحات المسؤولين، إضافة إلى المقاطع والصور الصادرة عن جهات رسمية أو حليفة لها.

وجرى ذلك دون إتاحة أي مساحة لروايات منافسة أو إخضاع الادعاءات المتداولة للتحقق المستقل.

وتكرر في هذه التغطيات استخدام مفردات ذات طابع تحفيزي مثل “الفزعة” و”النفير” و”نجدة العشائر”، مع تداول أخبار وصور تتحدث عن استهداف أفراد وعائلات بدوية بمعزل عن السياق الأوسع للنزاع أو دور المجموعات المسلحة المشاركة فيه.

وخلص التحقيق إلى أن هذا النمط من التغطية ساهم في تأطير الأحداث باعتبارها اعتداءً شاملاً على جماعة كاملة، رغم أن لجنة التحقيق الدولية وثقت وقوع انتهاكات بحق الطرفين، مؤكدة أن النسبة الأكبر من الضحايا كانت من المجتمع الدرزي.

وتزامن ذلك مع ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول اتهامات وجهها دروز سوريا للحكومة بالضغط لإخضاع منطقة السويداء.

مؤشرات التضخيم الرقمي وأنماط النشر المنسق

بنى التحقيق معطياته على رصد ميداني شامل للمواد الإعلامية والتصريحات الرسمية والمنشورات الرقمية، إضافة إلى إجراء مقابلات مع شهود عيان وضحايا وفاعلين محليين، إلى جانب التحليل الكمي والنوعي لـ11,118 منشوراً عاماً على فيسبوك نُشرت في الفترة الممتدة بين 17 تموز/يوليو و17 آب/أغسطس 2025.

وتوزعت العينة بين 3,957 منشوراً نصياً و3,588 صورة و2,730 مقطع فيديو، حيث تصدرت الصفحات العامة مصادر النشر. ورصد التحليل ذروة نشاط رقمي حاد خلال الأيام الأولى للتصعيد، تلاها ارتفاع جديد مطلع آب/أغسطس بالتزامن مع شائعات مضللة حول خطف طفلة سنية في بلدة عرى.

كما كشف التحليل عن تكرار تطابق النصوص والوسوم وتوقيتات النشر بين حسابات متعددة، وهي مؤشرات تعزز فرضية وجود شبكات تضخيم أنشئت وفق أنماط نشر منسقة، دون أن يشكل ذلك وحده دليلاً قاطعاً على إدارة حملة مركزية.

وتركزت المواد المتكررة حول روايات “ميليشيا الهجري”، وتحركات العشائر، وضبط الأسلحة، ومفاهيم مثل “ممر داوود” و”حلم إسرائيل”، مع بروز مفردات مرتبطة بالهوية الطائفية والعشائرية، وروايات تتحدث عن “استقلال السويداء”، فضلاً عن التذكير بحادثة مقتل محمد بحصاص داخل مستشفى السويداء بعد عام على وقوعها.

تزييف الصور وتبرير الانتقام الميداني

وثق التحقيق في أبرز النتائج التي توصل إليها إعادة استخدام عشرات الصور ومقاطع الفيديو لضحايا دروز قُتلوا خلال الموجة الأولى من العنف، وتقديمهم كذباً على أنهم من أبناء العشائر البدوية الذين قضوا على يد مجموعات درزية.

وتجلى ذلك بوضوح في قضية عائلة سرايا، حيث أظهر مقطع مصور عناصر مسلحة تابعة لوزارة الدفاع تقتاد مدنيين عزلاً من العائلة إلى ساحة تشرين في مدينة السويداء قبل إعدامهم ميدانياً، مما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين بينهم أربعة أشقاء وشخص من أقاربهم وشاب يحمل الجنسية الأمريكية.

ورغم ذلك، انتشرت صور جثامين الضحايا بعد ساعات في منشورات ادعت أنها توثق مقتل أفراد من العشائر على يد مسلحين دروز.

وأعاد الإعلامي أمين أبو نقطة، الذي كان يدير منصة “تجمع أحرار حوران” قبل توليه إدارة فرع درعا في وكالة “سانا”، نشر هذه الرواية المضللة.

السويداء

تنسيق النشر والتوصيات للحد من التضليل

في مساء 17 تموز/يوليو، رصد التحقيق قيام عدد من المؤثرين والإعلاميين، من بينهم جميل الحسن وهادي العبد الله وأحمد حموش ومهند أبو زيد، بنشر مواد متقاربة جداً من حيث التوقيت والمضمون حول تعرض أبناء العشائر لـ”إبادة جماعية”، وشملت المزاعم الحديث عن عمليات قتل وتهجير وقطع رؤوس أطفال، بينما ثبت أن الصور والمقاطع المستعملة لا تعود لضحايا بدو أو جرى إخراجها بالكامل من سياقها الأصلي.

وبناءً على ذلك، أكد التحقيق أن الموجة الثالثة التي شهدت احتشاد عشرات الآلاف من المقاتلين العشائريين باتجاه السويداء لم تكن مجرد رد فعل تلقائي على الأحداث الميدانية، بل جاءت نتيجة حملة تضليل وتحريض واسعة ساهمت في تعبئة الشارع وتصعيد العنف ضد المجتمع الدرزي.

واختتم التقرير بدعوة الحكومة الانتقالية إلى إخضاع المؤسسات الإعلامية الرسمية لمعايير التحرير المهني والاستقلالية ومنع استخدامها في الدعاية أو التعبئة المسلحة، مع مطالبة وسائل الإعلام بالتحقق المستقل من هوية الضحايا والجناة وسياق الصور قبل بثها، وعدم اكتفائها بحذف المواد الخاطئة بل التزامها بنشر تصحيحات علنية وواضحة عند ثبوت التضليل.

اقرأ أيضاً:صحيفة أمريكية: السويداء بين هواجس السيناريو الكردي وخيار الانفصال

اقرأ أيضاً:عام على أحداث السويداء.. تقارير التحقيق توثق الانتهاكات والمحاسبة لا تزال معلقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.