الصكوك السيادية في سوريا.. أداة إنقاذ للموازنة أم محاولة لترميم اقتصاد مثقل بالعجز؟

في اقتصاد أنهكته سنوات الحرب وتراكمت فيه فجوات التمويل، تبحث الحكومة السورية الانتقالية عن أدوات جديدة لسد عجز الموازنة بعيداً عن الحلول التقليدية التي غالباً ما انتهت إلى مزيد من التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، تبرز الصكوك السيادية كخيار مالي جديد تراهن عليه وزارة المالية لتوفير تمويل غير تضخمي، إلا أن نجاح التجربة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على بناء ثقة مفقودة في سوق ما تزال تعاني من هشاشة البنية المالية وضعف الاستثمار.

وتأتي خطوة التحضير لأول إصدار للصكوك السيادية ضمن خطة أوسع تشمل إصدار أذونات وسندات خزينة، بهدف خلق أدوات مالية حكومية تساعد على تمويل الموازنة، وتوفير مؤشر مرجعي للعوائد يمكن أن يعيد ترتيب آليات التسعير داخل القطاع المصرفي.

لكن خلف المصطلحات المالية الحديثة، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع الحكومة الانتقالية إدارة هذه الأداة بكفاءة، أم ستتحول الصكوك إلى وسيلة جديدة لتأجيل أزمة التمويل من دون معالجة جذورها؟

تمويل بلا طباعة نقود.. ولكن بثمن

تعتمد فكرة الصكوك السيادية على ارتباطها بأصول أو مشاريع حقيقية، بحيث يحصل المستثمر على حصة ملكية أو حق منفعة مرتبط بأصل محدد، وليس على فائدة ثابتة كما هو الحال في السندات التقليدية.

ويرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر أن الصكوك يمكن أن توفر للدولة سيولة حقيقية بعيداً عن تمويل العجز عبر الاقتراض من المصرف المركزي أو إصدار النقد، وهي أدوات تؤدي عادة إلى زيادة الكتلة النقدية ورفع الضغوط التضخمية.

ويشير إلى أن إصدار الصكوك قد يساهم أيضاً في تطوير السوق المالية السورية، عبر إنشاء مؤشر مرجعي للعائد يساعد المصارف على تسعير خدماتها وفق مستوى المخاطر، بدلاً من التسعير الإداري الموحد الذي لا يعكس واقع السوق.

لكن هذه الفوائد النظرية تصطدم بواقع اقتصادي صعب، إذ إن نجاح الصكوك يحتاج إلى سوق مالية نشطة، ومستثمرين قادرين على ضخ السيولة، وأصول واضحة ومدرة للدخل يمكن أن تشكل أساساً للإصدار.

أداة جديدة في سوق قديمة المشاكل

يؤكد الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي أن الصكوك السيادية تختلف عن السندات الحكومية، كونها تقوم على الملكية أو المنفعة المرتبطة بمشروع أو أصل معين، وتمنح المستثمر عوائد مرتبطة بأداء الأصل خلال فترة زمنية محددة.

ويمكن للصك السيادي، في حال نجاحه، أن يصبح معياراً تقاس عليه بقية الأدوات الاستثمارية، بحيث يقارن المستثمر بين العائد المتوقع والمخاطر المرتبطة بكل خيار.

غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الأداة نفسها، بل في البيئة التي ستحتضنها. فالسوق السورية ما تزال تعاني من ضعف الثقة، وانخفاض حجم الاستثمار، وتراجع قدرة المؤسسات المالية على العمل ضمن منظومة مستقرة، وهي عوامل قد تحد من قدرة الصكوك على جذب المستثمرين.

مخاطر الثقة والأصول والقدرة على السداد

يحذر اسمندر من أن الصكوك ليست حلاً سحرياً لعجز الموازنة، إذ قد تصبح مكلفة إذا اضطرت الحكومة إلى تقديم عوائد مرتفعة لجذب المستثمرين في ظل المخاطر الاقتصادية الحالية.

كما تواجه التجربة تحدياً يتعلق بالأصول التي ستستند إليها الصكوك، إذ إن غياب مشاريع إنتاجية حقيقية قد يحولها عملياً إلى أداة دين مقنّعة، ما يضعف ثقة المستثمرين بها.

وتبقى مخاطر التعثر أو ضعف القدرة على الوفاء بالالتزامات من أبرز الهواجس، خصوصاً في ظل اقتصاد يعاني من تراجع الإيرادات وارتفاع الاحتياجات التمويلية.

فالصكوك السيادية قد تمنح الحكومة السورية الانتقالية نافذة جديدة للخروج من مأزق التمويل، لكنها لن تكون بديلاً عن إصلاح أعمق يعيد بناء الثقة، ويعالج ضعف الإدارة المالية، ويخلق اقتصاداً قادراً على الإنتاج لا مجرد اقتصاد يبحث باستمرار عن مصادر جديدة للتمويل.

 

اقرأ أيضاً: سوريا تبدأ إعداد الصكوك السيادية لتمويل الموازنة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.