رواتب سوريا بين الزيادات الحكومية وواقع المعيشة.. أرقام أكبر وأزمة اقتصادية أعمق
وسط اقتصاد أنهكته سنوات طويلة من الانهيار وتآكل القوة الشرائية، تعود الحكومة السورية الانتقالية إلى ملف الأجور والرواتب بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في حياة السوريين، معلنة زيادات مالية كبيرة بالأرقام، في وقت لا تزال فيه الأسئلة معلقة حول قدرة هذه الزيادات على انتشال ملايين الموظفين والمتقاعدين من دائرة الضيق المعيشي التي أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.
وكشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن كتلة الأجور والرواتب الشهرية ارتفعت من 11.3 مليار ليرة سورية إلى 46 مليار ليرة، فيما قفزت كلفة رواتب المتقاعدين من 2.9 مليار ليرة إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة شهريًا، ضمن خطة حكومية تستهدف الوصول مع مطلع العام المقبل إلى منظومة أجور جديدة تشمل العاملين في القطاعات الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى المتقاعدين.
وأكد الوزير أن هذه الزيادات تم تمويلها من الموارد الذاتية للدولة دون اللجوء إلى الاقتراض أو التمويل بالعجز، مع وعود باستكمال تطبيقها على بقية الوزارات والمؤسسات التي لم تشملها الإجراءات السابقة.
زيادة في الأرقام.. ومعركة مستمرة مع تكاليف الحياة
ورغم أن مضاعفة الرواتب تمثل تحولًا لافتًا على الورق، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في الفجوة العميقة بين الدخل والأسعار، إذ يعيش السوريون منذ سنوات تحت ضغط ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية، في ظل اقتصاد لم يستعد توازنه بعد، وسوق لا تزال تتقلب فيه الأسعار بوتيرة تفوق قدرة الأجور على اللحاق بها.
وتخشى شرائح واسعة من أن تتحول الزيادات المتتالية إلى أرقام تفقد جزءًا من تأثيرها أمام موجات الغلاء، خصوصًا أن تحسين الدخل الحقيقي لا يرتبط فقط بحجم الراتب، بل بقدرة الاقتصاد على تحقيق الاستقرار النقدي وضبط الأسواق وتوفير بيئة إنتاجية تخلق فرصًا مستدامة.
التعليم العالي ومحاولة وقف نزيف الكفاءات
في قطاع يعاني منذ سنوات من هجرة الكفاءات والكوادر العلمية، اعتبر وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي أن الزيادات النوعية في رواتب العاملين بالجامعات الحكومية تشكل محاولة لاستعادة جاذبية العمل الأكاديمي، مؤكدًا أن الأجور أصبحت أعلى من نظيرتها في بعض الجامعات الخاصة.
وأشار الحلبي إلى أن التعويضات المرتبطة بالامتحانات ارتفعت خمسة أضعاف، ضمن إجراءات تهدف إلى تحسين أوضاع العاملين والحد من استمرار هجرة العقول الأكاديمية التي شكلت إحدى الخسائر الصامتة التي أصابت قطاع التعليم العالي خلال السنوات الماضية.
مراسيم متلاحقة لإعادة رسم خارطة الأجور
شهدت سوريا منذ عام 2025 سلسلة من المراسيم التي أعادت تشكيل منظومة الأجور، بدءًا من رفع الرواتب بنسبة 200% بموجب المرسوم رقم 102 لعام 2025، مرورًا بزيادة إضافية بلغت 50% وفق المرسوم رقم 67 لعام 2026، وصولًا إلى “الزيادة النوعية” التي أقرها المرسوم رقم 68 وشملت قطاعات محددة مثل الصحة والتعليم والتربية والأوقاف ومصرف سوريا المركزي.
لكن، وبينما تعلن الحكومة عن مرحلة جديدة في سياسة الأجور، يبقى الامتحان الحقيقي لهذه الإجراءات في حياة الموظف السوري اليومية؛ فالأرقام قد ترتفع في جداول الرواتب، لكن معيار النجاح يبقى في قدرة تلك الزيادات على إعادة الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي إلى منزل بات يحسب احتياجاته الأساسية بلغة التقشف والانتظار.
اقرأ أيضاً: زيادة الرواتب في سوريا.. حين يبتلع سعر الصرف راتب الموظف