السيراميك في سوريا: معامل ضخمة تعمل بـ 14% من طاقتها وشبح “الإغلاق الجماعي” يلوح في الأفق

تواجه صناعة السيراميك في سوريا واحدة من أعنف أزماتها التاريخية، حيث تحولت المعامل التي كانت تُصنف كالأكبر في الشرق الأوسط إلى “أصول معطلة” أو منشآت تعمل بالحد الأدنى. وبين اتهامات الخبراء لسياسات “إحلال المستورد” وشكاوى الصناعيين من تكاليف الطاقة، يبدو أن المنتج المحلي يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام غزو البضائع المستوردة، لا سيما من تركيا والهند.

أرقام صادمة: فجوة هائلة بين القدرة والإنتاج

كشف عبد الرحمن أورفه لي، المدير العام لشركة بلقيس، عن فجوة مرعبة في الأرقام تعكس حجم الكارثة التي حلت بالقطاع:

  • الطاقة الإنتاجية المتاحة: 52.8 مليون متر مربع سنوياً.

  • الإنتاج الفعلي الحالي: 7.4 مليون متر مربع سنوياً فقط (أي بنسبة تشغيل لا تتجاوز 14%).

  • خريطة التوقف: توقفت معامل (تاج بلقيس، إشبيليا، الشام، وسيسكو) كلياً أو جزئياً، بينما يعمل معمل زنوبيا بخط إنتاج واحد فقط من أصل 18 خطاً.

حوامل الطاقة: المقصلة التي أطاحت بالمنافسة المحلية

تجمع الشهادات على أن تكلفة الطاقة هي “العدو الأول” للصناعة الوطنية، حيث يظهر الفارق الشاسع بين سوريا ودول الجوار:

  1. نسبة التكلفة: تشكل الطاقة 45% من كلفة السيراميك في سوريا، مقابل 15% فقط في الدول المجاورة.

  2. نوع الوقود: تعتمد المعامل السورية على غاز LPG مرتفع الثمن، بينما تستخدم المعامل المنافسة الغاز الطبيعي الرخيص المستخرج من الآبار.

  3. التأثير المتسلسل: ارتفاع أسعار المحروقات رفع تكاليف النقل والخدمات، مما جعل سعر المتر المحلي غير قادر على منافسة المستورد.

غزو المستورد: الأرقام التركية تؤكد الشكاوى

تتطابق شكاوى الصناعيين مع بيانات التجارة الخارجية، حيث كشف مجلس المصدرين الأتراك (TİM) عن قفزة هائلة في الصادرات إلى سوريا:

  • صادرات الإسمنت والزجاج والسيراميك: ارتفعت من 90.2 مليون دولار في 2024 إلى 134.5 مليون دولار في 2025.

  • النمو المستمر: سجل الربع الأول من 2026 زيادة بنسبة كبيرة وصولاً إلى 45.8 مليون دولار مقارنة بـ 27.3 مليون في العام السابق.

الجمارك والزبون: لماذا يتراجع “السوري” في دمشق؟

وفقاً لإفادات تجار في دمشق، فإن “المستورد يكتسح السوق” لأسباب لا تقتصر على السياسة فقط:

  • آلية الرسوم: يعترض الصناعيون على احتساب الجمارك بـ “الوزن/الطن”، معتبرين أنها آلية غير عادلة وتسهل دخول بضائع بجودة رديئة وأسعار منخفضة (إغراق).

  • تفضيلات المستهلك: ينجذب الزبون للمستورد (السعودي، الهندي، التركي، الإسباني) بسبب تنوع القياسات، جودة الخامة، و”مصداقية الكفالة” التي تراجعت لدى المعامل المحلية المتهالكة.

  • ضعف التحديث: يشير بعض التجار إلى أن المشكلة تكمن أيضاً في “الاعتماد على تجهيزات قديمة وخبرات تقليدية” عجزت عن مواكبة التطور العالمي في الطباعة الرقمية والتصاميم الحديثة.

خارطة الطريق: كيف يمكن إنقاذ ما تبقى؟

طرح الصناعيون (أورفه لي والعبد الله) مجموعة من المطالب الإسعافية للحكومة الانتقالية:

  1. رفع التعرفة الجمركية: حماية المنتج المحلي من الإغراق عبر رسوم عادلة تُحتسب بالمتر المربع أو القيمة الفعلية.

  2. تأمين الطاقة بالأسعار العالمية: السماح للمعامل باستيراد مشتقاتها النفطية مباشرة أو توفير الغاز الطبيعي.

  3. التشدد في المواصفات: تفعيل الرقابة على جودة المستورد لاستبعاد المنتجات “الرديئة” التي تضرر المستهلك والصناعة معاً.

  4. دعم التحديث: توفير بيئة استثمارية تسمح بإدخال تقنيات الطباعة الرقمية وتطوير خطوط الإنتاج.

الخلاصة: إن صناعة السيراميك في سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما تدخل حكومي عاجل يوازن بين “حرية التجارة” و”حماية المنشآت الوطنية”، أو التحول الكامل إلى سوق مستهلك يعتمد كلياً على الخارج، محولاً هذه القلاع الصناعية إلى “أطلال” من الآلات المعطلة.

إقرأ أيضاً: صناعيون سوريون يواجهون صعوبات تصديرية وسط ارتفاع الكلف وغياب الدعم

إقرأ أيضاً: جورج خزام: سياسة الإغراق دمرت الصناعة السورية لصالح المستوردين الجدد

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.