من المدرجات الجامعية إلى الشوارع: مهنة التوصيل تعيد تشكيل سوق العمل للشباب في سوريا
بين جدران القاعات الجامعية وطرقات المدن، يقطع الشاب محمد (21 عاماً) مسافات يومية على دراجته النارية لنقل طلبات المنازل والمتاجر في مدينة اللاذقية؛ حيث لم يعد العمل في قطاع التوصيل مجرد خيار جانبياً، بل بات مصدراً رئيسياً لتغطية نفقات الدراسة والعيش لآلاف الطلاب والخريجين الجامعيين في مختلف المحافظات السورية.
تتكرر هذه التجربة لدى شرائح واسعة في دمشق، حلب، حماة، والريف السوري، لتسلط الضوء على التحولات العميقة في سوق العمل واختلال التوازن بين المؤهلات الأكاديمية والفرص الوظيفية المتاحة.
مؤشرات سوق العمل وتراجع الوظائف التقليدية
يعكس انتشار مكاتب وشركات التوصيل واقعاً اقتصادياً تتزايد فيه التحديات؛ إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب لتصل إلى نحو 33.1%، في حين يُصنف نحو 83% من إجمالي القوى العاملة ضمن قطاع العمل غير المنظم.
أمام هذا الواقع، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها تضمن دخول القطاعين العام أو الخاص، مما دفع بالعديد من خريجي مجالات كـ التجارة والاقتصاد، وتقانة المعلومات، والتخصصات الأدبية للتوجّه نحو قطاع الخدمات والسريعة لضمان دخل أسبوعي أو شهري مناسب.
تفاصيل كلفة التشغيل وطبيعة الدخل
بحسب أصحاب شركات ومكاتب التوصيل، تعتمد أغلب الآليات الإدارية في هذا القطاع على نظام تقاسم العائدات أو النسبة الكلية:
[ 60% لعامل التوصيل ]← تُقابله ➔[ 40% لشركة التوصيل لمتابعة الطلبات والخدمات ]
ويتراوح الدخل الفعلي بين 2 إلى 4 ملايين ليرة سورية شهرياً بحسب عدد ساعات العمل ونشاط السائق. إلا أن هذا العائد يواجه استنزافاً مستمراً نتيجة:
-
ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات.
-
التكاليف العالية لصيانة الدراجات النارية والقطع البديلة، والتي تستهلك ما يقارب ثلث الدخل الإجمالي.
التحديات الميدانية وغياب الحماية الاجتماعية
يتحمل العاملون في مهنة التوصيل مخاطر يومية مرتبطة بطبيعة العمل الميداني، وتتمثل في:
-
المخاطر المباشرة: حوادث السير، وتلف البضائع، والأعطال الطارئة التي تؤدي لتوقف الدخل كلياً.
-
الاحتيال المالي: تحمل تكاليف “الطلبات الوهمية” حيث يدفع العامل قيمة الطلب من ماله الخاص دون وصوله للزبون.
-
الغياب النقابي والتأميني: العمل دون عقود رسمية أو غطاء تأميني وضمان اجتماعي يحمي الأسر في حالات الإصابة أو العجز.
تحطيم الصور النمطية: تجارب نسائية في الريف
لم يقتصر قطاع التوصيل على الشباب والطلاب؛ إذ برزت تجارب لنساء وأمهات معيلات كُسرَت من خلالها الصورة النمطية للعمل. وفي مناطق مثل مدينة النبك بريف دمشق، تعمل نساء عبر دراجاتهن النارية لتأمين متطلبات عائلاتهن بشكل مستقل، ما أكسبهن ثقة واسعة لدى زبائن المنطقة وخاصة الفئات النسائية.
مطالب بتنظيم “اقتصاد المنصات والخدمات”
تأتي هذه التحولات الميدانية في وقت تدعو فيه المنظمات الدولية والمؤسسات العمالية إلى ضرورة إقرار أطر تنظيمية وقوانين حماية في اقتصاد المنصات والخدمات، تضمن توفير بيئة عمل آمنة، وقروض ميسرة لتأمين وسائط النقل، إلى جانب شمول العاملين في هذا القطاع غير المنظم بمظلة الحماية الاجتماعية والطبية.
إقرأ أيضاً: عمال التوصيل في دمشق… مهنة خطرة بلا حماية
إقرأ أيضاً: بين الأمن ولقمة العيش.. مصادرة الدراجات النارية تفتح جدلاً واسعاً في دمشق