الزراعة السورية تحت ضغط مزدوج: جفاف قاسٍ واقتصاد منهك يهددان آخر ما تبقّى من سبل العيش الريفية

تتسع رقعة الانكشاف في الريف السوري مع استمرار تآكل قطاع الزراعة السورية تحت وطأة أزمة ممتدة تتداخل فيها آثار الحرب مع الجفاف والتغير المناخي والانهيار الاقتصادي، وفق تقرير صادر عن المجلس الدنماركي للاجئين، الذي حذّر من أن ما يجري لم يعد مجرد أزمة موسمية، بل مسار تدهور بطيء يضرب أساسات الأمن الغذائي ويفكك البنية الاجتماعية في المناطق الريفية.

ويشير التقرير إلى أن الزراعة، رغم تراجع حضورها في سوق العمل مقارنة بما قبل الحرب، ما تزال تشكل شريان حياة لملايين السوريين، إلا أن هذا الشريان بات يمر عبر تضاريس قاسية: بنية ري مدمّرة، أراضٍ متضررة، وأسواق مشلولة، إلى جانب اتساع رقعة الأراضي الملوثة بمخلفات الحرب، وما تفرضه من قيود مباشرة على الزراعة والإنتاج.

ويضيف أن واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا تتعلق بملفات السكن والأرض والملكية، حيث يجد كثير من المزارعين أنفسهم أمام أراضٍ لا يمكن الوصول إليها أو استثمارها، ما يفاقم هشاشة سبل العيش ويقود إلى أنماط تكيف قسرية، تبدأ بتقليص الاستهلاك ولا تنتهي عند بيع الأصول الإنتاجية أو البحث عن الهجرة.

جفاف غير مسبوق يعمّق الأزمة

التقرير يلفت إلى أن عام 2025 شهد واحدة من أشد موجات الجفاف منذ نحو 36 عامًا، أثّرت على قرابة 75% من الأراضي المزروعة، ما أدى إلى خسائر واسعة في المحاصيل وتدهور المراعي وانخفاض حاد في الموارد المائية، في بلد يعاني أصلًا من بنية زراعية مرهقة وضعف مزمن في إدارة المياه.

هذا التراجع الحاد في الموارد خلق، بحسب التقرير، حالة تنافس متزايد بين المزارعين ومربي الماشية على ما تبقّى من مياه ومراعٍ، في وقت تتوسع فيه الضغوط الناتجة عن الآفات الزراعية والأمراض التي تهدد الإنتاج النباتي والحيواني على حد سواء، ما يجعل المشهد الزراعي أكثر هشاشة وأقل قدرة على التعافي.

الفئات الأضعف تدفع الثمن الأكبر

ويؤكد التقرير أن النساء والشباب والنازحين يشكلون الحلقة الأضعف في هذا المشهد، إذ يواجهون تقلصًا حادًا في الفرص الاقتصادية وتراجعًا في الخدمات الأساسية، ما يدفع الكثير منهم إلى خيارات قاسية بين الاستمرار في الزراعة بأدوات شبه معدومة أو مغادرة الريف نحو مناطق أكثر ضغطًا وهشاشة.

وفي الخلفية، تتفاقم الأزمة المعيشية مع تراجع الدخل وارتفاع كلفة الإنتاج، ما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استثماراتها الزراعية أو بيع أصولها، في حلقة تآكل مستمرة تعيد إنتاج الفقر بدل كسره.

بين محاولات الإصلاح وحدود الواقع

ورغم الإشارة إلى الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2030 باعتبارها خطوة على طريق الإصلاح، فإن التقرير يضعها ضمن سياق شديد التعقيد، حيث تتطلب معالجة التدهور الزراعي أكثر من خطط نظرية، بل تدخلات واسعة في البنية التحتية، وإعادة تأهيل شبكات الري، وتوفير دعم مالي وتقني حقيقي للمزارعين القادرين على الصمود.

ويستند التقرير إلى بيانات ميدانية جُمعت في أواخر 2025 من محافظات درعا وريف دمشق وحمص، عبر مقابلات مع مزارعين وجهات محلية، تكشف أن التكيف مع الواقع لم يعد خيارًا مرنًا بقدر ما أصبح محاولة يومية للبقاء.

خاتمة: زراعة على حافة الانطفاء

في المحصلة، يرسم التقرير صورة قطاع زراعي يقترب من نقطة الإنهاك، حيث تتقاطع الكارثة المناخية مع الانهيار الاقتصادي وتراجع البنية الخدمية، في وقت لا يبدو فيه أن الحلول الحالية قادرة على وقف النزيف أو إعادة التوازن إلى الريف السوري.

وبعبارة يمكن تلخيصها بلسان الواقع لا التقارير: ما تبقّى من الأرض يصرخ بصمت، فيما يحاول المزارع أن ينجو بما تبقّى من أدوات لا تكفي حتى للنجاة.

 

اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا.. تحديات مستمرة لضمان الأمن الغذائي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.