أزمة المياه الجوفية في سوريا: 6 مليارات متر مكعب تحت تهديد الاستنزاف
لم تعد المياه الجوفية في سوريا مجرد مورد احتياطي يُلجأ إليه خلال سنوات الجفاف، بل تحولت تدريجياً إلى خط الدفاع الأول والأساسي لمواجهة التراجع الحاد في الموارد المائية السطحية.
يأتي ذلك في وقت تؤكد فيه المؤشرات العلمية والميدانية أن عدداً من الأحواض المائية الرئيسية بدأ يتجاوز بالفعل الحدود الآمنة للسحب المائي.
وتتزامن هذه الضغوط الشديدة مع انخفاض الهطولات المطرية، وتغيّر نمطها وشدتها زمانياً ومكانياً، وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب تراجع الواردات المائية السطحية وانخفاض القابلية التخزينية للسدود؛ الأمر الذي دفع بالبلاد نحو اعتاماد مفرط على المخزون الجوفي لتلبية الاحتياجات الزراعية وتأمين مياه الشرب.
ورشة إقليمية لبحث أزمة الأحواض المائية
في إطار مساعي البحث عن حلول علمية للتحدي المائي، انطلقت صباح الاثنين في المركز الوطني للسياسات الزراعية بريف دمشق أعمال الورشة التدريبية الإقليمية “تقييم تأثير تغير المناخ على موارد المياه الجوفية”.
وتأتي هذه الورشة كأول نشاط رسمي للمركز عقب إعادة تأهيله، مما يشكل محطة بارزة لاستعادة دوره في دعم البحث وصنع السياسات الزراعية.
وتنظم الورشة -التي تستمر أربعة أيام- من قبل المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة “أكساد”، بالتعاون مع مكتب منظمة اليونسكو الإقليمي في بيروت ووزارة الزراعة السورية، وبمشاركة متدربين متخصصين من سوريا وفلسطين ولبنان والعراق والأردن.
وتركز أعمال الورشة على مناقشة تأثيرات التغير المناخي عبر استخدام النمذجة الهيدرولوجية، وبناء النماذج المائية ومعايرتها وتشغيلها، بالإضافة إلى إجراء تمارين عملية وزيارات ميدانية، للتعامل مع الفجوة المتزايدة بين كميات التغذية الداخلة للأحواض والكميات المسحوبة منها.
استنزاف حاد يتجاوز قدرة الأحواض على التجدد
وفي تصريح خاص لـ “المدن”، أكد الدكتور نصر الدين العبيد، المدير العام لمركز “أكساد”، أن عدداً من الأحواض المائية في سوريا يشهد استنزافاً حاداً ومستتمراً نتيجة سنوات الجفاف وتراجع المياه السطحية ومخزونات السدود.
وأوضح أن السحب في بعض الأحواض تجاوز المستويات المسموح بها، وهو ما يهدد المخزون الاستراتيجي على المدى الطويل.
وكشف العبيد أنه وفقاً للموازنة المائية للعام الهيدرولوجي 2024–2025، بلغ إجمالي السحب الجوفي لمختلف الاستخدامات نحو 6 مليارات متر مكعب، بينما لا تزال موازنة الموسم الحالي 2025–2026 قيد الحساب.
وتأتي أحواض (بردى والأعوج، واليرموك، والعاصي) في مقدمة المناطق الأكثر تعرضاً للخطر والاستنزاف.
وشدد العبيد على أن استمرار السحب بمعدلات تفوق قدرة الأحواض الطبيعية على التجدد يعني أن المشكلة لم تعد مجرد نقص موسمي عابر، بل تحولت إلى أزمة تمس أصل المخزون الجوفي.
ولمواجهة هذا التحدي، دعا المدير العام لـ “أكساد” إلى:
-
إدارة المياه عبر موازنات دورية مخصصة لكل حوض مائي لتحديد كميات التغذية ومعدلات السحب الآمنة.
-
تشديد الرقابة الحكومية على الآبار وتنظيم آلية استخراجها.
-
الاعتماد على الاستراتيجية العربية للأمن المائي وخطتها التنفيذية التي أعدها مركز “أكساد” لتعزيز متطلبات التنمية المستدامة حتى عام 2030.
المناخ والأنماط الزراعية: تعديل القرارات هو الحل
من جانبه، أوضح ممثل منظمة اليونسكو في بيروت، نزار حسن، لـ “المدن”، أن تغير المناخ لا يتلخص فقط في انخفاض كميات الأمطار، بل في اضطراب مواعيدها وتوزيعها الجغرافي وشدتها، وهو ما يؤثر مباشرة على معدلات التغذية الطبيعية للمياه الجوفية.
وأكد حسن أن الاستجابة لهذه التحولات تتطلب الانتقال إلى تعديل القرارات التنموية التي تولد الطلب على المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي، وذلك من خلال:
-
اختيار أنماط زراعية أكثر ملاءمة وتكيفاً مع الموارد المتاحة.
-
ترشيد عمليات السحب وتحسين إدارة الآبار.
-
رفع كفاءة شبكات المياه وتقليل نسبة الفاقد والكهدر.
وفي سياق متصل، أشار مدير المركز الوطني للسياسات الزراعية، هايل ريحان، إلى أن عمق بعض الآبار في جنوب سوريا تجاوز 500 متر، مما يعني ارتفاعاً باهظاً في كلف الحفر والضخ وحاجة أكبر للطاقة، وهو ما يعزز أهمية تحديد طبيعة المخزون الجوفي وقدرته على التجدد بدقة.
أرقام وإحصاءات تكشف الفجوة المائية
تظهر البيانات الخاصة بالأحواض المائية الرئيسية في سوريا حجم الفجوة الكبير بين الهطول المطرية والمياه المتاحة عملياً:
-
إجمالي الهطول المطرية: نحو 46.6 مليار متر مكعب.
-
إجمالي المياه المتاحة: 17.9 مليار متر مكعب فقط.
توزيع الموارد المائية المتاحة حسب الأحواض:
-
حوض الفرات: 7.93 مليارات متر مكعب.
-
حوض الساحل: 4.16 مليارات متر مكعب.
-
حوض العاصي: 2.25 مليار متر مكعب.
-
حوض دجلة والخابور: 2.21 مليار متر مكعب.
-
حوض بردى والأعوج: 881 مليون متر مكعب.
-
حوض اليرموك: 332 مليون متر مكعب.
-
حوض السهوب: 179 مليون متر مكعب.
تراجع الموارد السطحية وجفاف الينابيع
سجلت الموارد المائية السطحية تراجعاً تاريخياً حاداً، يبرزه التدهور المستمر في تصريف حوض العاصي عند محطة “داركوش”:
-
ثلاثينيات القرن الماضي: 1.85 مليار متر مكعب.
-
سبعينيات القرن الماضي: 1.25 مليار متر مكعب.
-
العقد الأول من الألفية: 600 مليون متر مكعب.
-
عام 2023: نحو 400 مليون متر مكعب (بانخفاض إجمالي يتجاوز 78%).
كما انخفضت غزارة المصادر المائية والينابيع الرئيسية الأخرى:
-
نبع عين التنور: هبط من 8500 لتر/ثانية إلى 5700 لتر/ثانية.
-
ينابيع سهل سلمية: انخفضت من 6000 لتر/ثانية إلى 3000 لتر/ثانية.
-
محطة الأشعري (درعا): تراجعت غزارتها من 1083 متراً مكعباً/ساعة عام 1999، إلى 750 عام 2011، ثم إلى 500 في حزيران 2025، لتصل إلى 200 متر مكعب/ساعة فقط في أيلول 2025 (بانخفاض إجمالي بلغ 81.5%). وتغذي هذه المحطة -إلى جانب آبار عين العبد والحرير 1 والحرير 2- شبكات ري تخدم أكثر من 3000 هكتار في منطقة المزيريب.
الفوضى الجغرافية: انفجار في أعداد الآبار وآبار الشرب
أدى تراجع المياه السطحية إلى توسع هائل وغير منظم في حفر الآبار، خصوصاً للغايات الزراعية ومياه الشرب:
ارتفاع أعداد آبار الري في شمال غرب سوريا مقارنة بما قبل 2011:
-
إدلب: +200%
-
حارم: +149%
-
الباب: +140%
-
عفرين: +120%
-
أعزاز: +110%
-
جبل سمعان: +105%
-
جسر الشغور: +95%
-
أريحا: +80%
-
جرابلس: سجلت تراجعاً بنسبة 37%-
وفي ريف دمشق، تُقدر أعداد الآبار غير المرخصة بنحو 50 ألف بئر، مقابل 14,500 بئر مرخصة فقط.
الاعتماد على المياه الجوفية للشرب وتراجع حصة الفرد
تحولت الآبار إلى مصدر رئيسي لتأمين مياه الشرب بنسب مرتفعة في عدة مناطق:
-
عفرين: 85% للشرب (والباقي للري).
-
حارم: 82% للشرب.
-
إدلب: 78% للشرب.
-
أعزاز: 70% للشرب.
-
الباب: 65% للشرب.
وفي المقابل، هبط متوسط حصة الفرد من مياه الشرب بنحو 45% على مستوى البلاد، وسجل الانخفاض نسباً متقدمة في مناطق شمال غرب سوريا:
-
حارم: تراجع بنسبة 54%
-
إدلب: تراجع بنسبة 53%
-
عفرين: تراجع بنسبة 48%
-
أعزاز: تراجع بنسبة 45%
-
الباب: تراجع بنسبة 42%
التركيبة المائية العامة والتحدي القادم
تتكون الموازنة المائية العامة في سوريا -والبالغة نحو 20.5 مليار متر مكعب- من المصادر التالية:
-
المياه السطحية: 58.5%
-
المياه الجوفية المتجددة: 29.3%
-
المياه الجوفية غير المتجددة: 9.8%
-
مياه الصرف المعاد استخدامها: 2.4%
تضع هذه الأرقام القطاع الزراعي في قلب أزمة استنزاف المياه؛ فمع تراجع الإمدادات السطحية تتوسع الآبار الزراعية، ومع استمرار الضخ المفرط والسحب الذي يتجاوز قدرة الأحواض على التجدد، تتحول المياه الجوفية من الملاذ الأخير لتعويض النقص إلى مورد استراتيجي جديد يُستنزف حتى الإنهاك.
وفي ظل سحب جوفي بلغ 6 مليارات متر مكعب، وأعماق حفر تجاوزت 500 متر، فإن السؤال المفصلي الذي يواجه سوريا اليوم لم يعد “كم يمكننا أن نستخرج من المياه؟”، بل “كيف نستخرج ما نحتاجه دون تدمير المورد الذي ستحتاجه الأجيال القادمة؟”
اقرأ أيضاً:درعا عطشى فوق حوض اليرموك.. صراع على الماء في الجنوب السوري
اقرأ أيضاً:مدير مياه دمشق يحذر: فيضان الفيجة لا يعني انتهاء العجز.. و40% من المياه تضيع هدراً