العودة إلى المدارس في سوريا.. مليون ليرة لا تكفي لبداية العام
مع اقتراب العام الدراسي 2026–2027، لم تعد العودة إلى المدارس في سوريا موعداً تعليمياً عادياً بالنسبة إلى كثير من الأسر السورية، بل صارت امتحاناً مالياً يبدأ قبل قرع الجرس. فالأسرة لا تواجه سعراً مرتفعاً لدفتر أو حقيبة فحسب، وإنما قائمة طويلة من النفقات تتراكم فوق دخل لم تستطع زياداته الاسمية أن تعيد إليه قدرته الشرائية.
حددت وزارة التربية والتعليم السورية السادس من أيلول المقبل موعداً لبدء الدوام الرسمي، ما يترك للأسر وقتاً محدوداً لتأمين الكتب والحقائب والقرطاسية والملابس، فضلاً عن النقل والأقساط والمصاريف اليومية.
الطالب يدخل المدرسة.. والأسرة تدخل في الحسابات
في السوق، تبدأ رحلة البحث عن الأرخص قبل أن تبدأ الدراسة. وتقول أم جوزيف، وهي مربية سورية، إن قوائم المستلزمات المدرسية أصبحت طويلة، مشيرة إلى أن المشكلة تكمن في تراكم عشرات المصاريف التي تتحول مجتمعة إلى عبء يصعب تحمله.
ويقول المواطن سهيل زين الدين إن تجهيز طالب واحد قد يتجاوز المليون ليرة سورية القديمة، موضحاً أن نسخة الكتب للصف الثالث الإعدادي تبلغ 400 ألف ليرة، بينما تصل الحقيبة إلى نحو 200 ألف، وتتجاوز الدفاتر والأقلام وحافظة الطعام ومطرة المياه 500 ألف ليرة.
ومع الملابس وبقية المستلزمات، يمكن أن تتجاوز الكلفة مليوني ليرة للطالب الواحد، قبل احتساب النقل أو أي مصاريف إضافية. أما الأسرة التي لديها ثلاثة أو أربعة أبناء، فتتحول العودة إلى المدارس لديها إلى فاتورة يصعب امتصاصها من راتب واحد.
ولذلك تعود حلول الفقر نفسها: حقيبة العام الماضي، ملابس مستعملة، قرطاسية أقل جودة، وأسواق شعبية بدلاً من المتاجر. ليس اختياراً اقتصادياً بقدر ما هو تقليص قسري لما يمكن الاستغناء عنه.
التعليم الخاص.. كلفة خارج قدرة الأسر
المشكلة تصبح أكثر قسوة لدى الأسر التي تعتمد على المدارس الخاصة. ويقول سليم حسان إن الأقساط السنوية في بعض المدارس تتراوح بين 10 و30 مليون ليرة سورية قديمة، من دون احتساب الكتب واللباس والنقل والمصاريف اليومية.
ورغم محاولات وزارة التربية والتعليم السورية ضبط أقساط المدارس الخاصة والخدمات الإضافية، فإن واقع الإنفاق لا يتوقف عند رسم التسجيل، بل يتشعب إلى بنود أخرى تستطيع الأسرة بالكاد تحملها.
وهنا تظهر المفارقة: الحكومة السورية الانتقالية ترفع الرواتب بقرارات متتالية، لكن ارتفاع الدخل على الورق لا يعني أن المواطن بات أكثر قدرة على شراء احتياجاته. فالأسعار تتحرك في الاتجاه نفسه، وأحياناً أسرع، فيما تتسع الفجوة بين الراتب وما تتطلبه الحياة اليومية.
عام دراسي يبدأ بدين جديد
حين يصبح تجهيز طفل للمدرسة بحاجة إلى أكثر من راتب أو إلى تأجيل احتياجات أخرى، يصبح الاقتراض خياراً مطروحاً لدى بعض الأسر، رغم أنه لا يحل المشكلة بقدر ما يؤجلها.
وهكذا تدخل العائلات السورية العام الدراسي الجديد في معادلة قاسية: دخلٌ ارتفع اسماً، وأسعارٌ التهمت الزيادة، وتعليم يفترض أن يكون حقاً متاحاً يتحول تدريجياً إلى عبء مالي متكرر.
المشكلة هنا ليست في سعر الحقيبة وحده، بل في منظومة معيشية تدفع الأسرة إلى الاختيار بين احتياجات أساسية، بينما لا تزال السياسات الحكومية عاجزة عن معالجة الفجوة بين الأجور والأسعار بصورة تجعل العودة إلى المدرسة بداية لعام تعليمي، لا بداية لعام جديد من الديون والتقشف.
اقرأ أيضاً: إدلب: تعليق الدوام في المدارس احتجاجاً على ضعف الأجور