حرائق الحسكة تلتهم آلاف الدونمات وتستمر 15 ساعة وسط تحديات خطوط التماس والألغام
عاشت محافظة الحسكة السورية ليلة عصيبة جراء اندلاع سلسلة من الحرائق الضخمة والواسعة التي استمرت منذ ظهر أمس الخميس وحتى فجر اليوم الجمعة، مخلفة وراءها خسائر مادية فادحة في الأراضي الزراعية والمحاصيل الاستراتيجية، وقد واجهت فرق الإطفاء والسكّان صعوبات بالغة في السيطرة على النيران التي اتسعت رقعتها بسرعة فائقة نتيجة الرياح القوية والانتشار الكثيف للأعشاب الجافة في الأرياف ومحيط التجمعات السكنية.
وبدأت بؤر الاشتعال الأشد خطورة في منطقتي تل ورد وربيعات بريف بلدة زركان (أبو راسين) شمال غربي الحسكة، لتتوسع ألسنة اللهب لاحقاً خلال ساعات الظهيرة والعصر وتشمل مناطق متفرقة في أرياف الدرباسية، وتل براك، وغربي تل تمر، وشمالي الحسكة، بالإضافة إلى محيط مطار القامشلي، وبحسب ما نقله مراسل موقع “عنب بلدي” في المحافظة، فإن النيران امتدت على شريط بطول نحو عشرة كيلومترات، مما تسبب في التهام آلاف الدونمات من المحاصيل الزراعية قبل حصادها.
النيران تقطع الطريق السريع وتحاصر محطة وقود
ومع خروج الوضع عن السيطرة جزئياً، وصلت ألسنة اللهب إلى الطريق السريع الواصل بين مدن المنطقة، حيث أكد مصدر من مركز إطفاء الحسكة أن عمليات المكافحة كانت معقدة للغاية بسبب تعدد جبهات الاشتعال واتساع الرقعة الجغرافية للحريق، مشيراً إلى أن النيران حاصرت في طريقها محطة محروقات حيوية تقع بين مدينتي زركان وكسرة، مما خلق حالة من الرعب والذعر بين الأهالي خوفاً من وصول الحريق إلى الخزانات الرئيسية وحدوث انفجارات كارثية، غير أن تضافر جهود فرق الطوارئ والسكان حال دون وقوع الفاجعة وحمى المحطة في اللحظات الأخيرة.
وأوضح المصدر ذاته أن البلاغ الأول لفرق الإطفاء حول حريق زركان ورد في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، واستمرت عمليات الإخماد المتواصلة دون توقف حتى نجحت الفرق في فرض السيطرة الكاملة على النيران في تلك المنطقة عند الساعة الثالثة من فجر اليوم الجمعة.
زحف النيران نحو القرى وحركة نزوح مؤقتة
وامتدت رقعة الكارثة لتصل إلى مناطق غربي تل تمر وريفها الشمالي، حيث عبر الفلاحون عن صدمتهم وحسرتهم من ضياع جهود وتكاليف موسم كامل في دقائق معدودة
وفي هذا الصدد نقلت “عنب بلدي” عن المزارع خالد الحمد من ريف تل تمر قوله إن سرعة الرياح وارتفاع درجات الحرارة جعلت ألسنة اللهب تقفز بين الحقول بشكل لم ينفع معه استخدام الجرارات الزراعية لفتح خطوط ترابية عازلة.
وأدى اقتراب البؤر المشتعلة من البيوت إلى دفع عدد من سكان القرى للنزوح المؤقت خارج منازلهم، لاسيما في قرية “العبوش” بعدما طالت النيران أجزاء قريبة من المنطقة السكنية، كما شهدت قرية خويلد شمال شرقي الحسكة احتراق مساحات زراعية واسعة، بالتوازي مع حريق آخر اندلع قبيل المساء في حي دولاب العويصي غربي مدينة الحسكة والمجاور لنهر الخابور، حيث أرجع المواطن محمد العلي من سكان الحي أسباب الاشتعال السريع إلى تراكم الأعشاب اليابسة الملاصقة للبيوت، مطالباً الجهات المعنية بضرورة إطلاق حملات تنظيف دورية قبل الصيف لتفادي مثل هذه المخاطر.
الألغام ومخلفات الحرب تعيق فرق الإنقاذ
وعلى صعيد التحليل الميداني، أفاد خبير الاستجابة الإنسانية أحمد السالم بأن هذه الحرائق تؤكد الحاجة الملحة لوجود خطط استجابة مبكرة في المناطق المكشوفة بشمال الحسكة، مشيراً إلى أن طبيعة المنطقة تفرض تحديات لوجستية معقدة للغاية تعيق عمليات الإطفاء.
ونوه السالم إلى أن منطقة أبو راسين (زركان) تعد خط تماس عسكري سابق بين قوات سوريا الديمقراطية وفصائل الجيش الوطني المتمركزة على أطراف المنطقة ورأس العين، وهو ما يعني وجود مساحات شاسعة لا تزال ملوثة بالألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، وأوضح أن هذا الوضع الخطير يدفع طواقم الإطفاء والأهالي إلى تجنب الدخول لعقارات وأراضٍ معينة خشية انفجار الألغام، الأمر الذي يؤخر عمليات المكافحة ويزيد من احتمالية تمدد الحريق، داعياً إلى ضرورة وجود تنسيق مباشر رفيع المستوى بين فرق الإطفاء والجهات المتخصصة بنزع الألغام لتأمين الآليات والمستجيبين.
ورغم عدم تسجيل أي إصابات بشرية حتى لحظة إعداد التقرير، إلا أن حجم الخسائر الاقتصادية والزراعية يظل مرشحاً للارتفاع، تزامناً مع ذروة موسم حصاد القمح والشعير الذي يمثل عصب الحياة الاقتصادي للمنطقة، ووسط مخاوف جدية من استمرار موجات الحر الشديد وهبوب الرياح الجافة خلال الأيام المقبلة.
اقرأ أيضاً:نهر الفرات يتحول إلى مصيدة للأرواح: 35 حالة غرق بدير الزور منذ مطلع 2026