بين الأرقام الرسمية وواقع الأسواق: هل يلمس الشارع السوري بوادر “التعافي الاقتصادي”؟
تقف سوريا اليوم أمام مشهد اقتصادي مزدوج يحمل في طياته الكثير من التناقضات، ففي الوقت الذي تبدو فيه الأرقام والتقارير الدولية مشجعة، تنقل حركة الأسواق اليومية صورة مختلفة تماماً يعيشها المواطن في تفاصيل يومه.
هذا التباين هو المساحة الحقيقية التي يدور فيها النقاش الاقتصادي حالياً، بين لغة الأرقام المتفائلة، وواقع القدرة الشرائية على الأرض.
على صعيد التوقعات الرسمية، يعود اسم سوريا إلى تقارير المؤسسات المالية الدولية بعد سنوات من الغياب.
ويتوقع صندوق النقد الدولي في تقاريره الأخيرة لعام 2026 أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً يتجاوز 10%، كاستجابة طبيعية لبدء دوران عجلة الإنتاج وتدفق تحويلات المغتربين.
بالتوازي مع ذلك، يسعى مصرف سوريا المركزي ووزارة الاقتصاد إلى وضع أطر تشريعية ومصرفية أكثر مرونة لجذب الاستثمارات وتسهيل حركة التجارة، غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها الاستراتيجية، ما تزال تترجم ببطء شديد على مستوى دخل الفرد.
المفارقة المعيشية: كيف يقرأ المواطن هذه الأرقام؟
على الرغم من الارتفاع الرقمي في مؤشرات النمو، تشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى تباين واضح بين النمو المالي والقدرة الشرائية للشارع:
| المؤشر | الواقع الرقمي والحالي | الأثر المباشر على المواطن |
| مستوى التضخم | معدلات تضخم سنوية تجاوزت 45% في المواد الأساسية | تآكل القيمة الفعلية للأجور وتراجع القدرة الشرائية |
| متوسط الأجور | متوسط الأجور في القطاع العام يقارب 1,000,000 ليرة سورية | عدم التكافؤ مع الحد الأدنى لسلة المعيشة |
| تكلفة المعيشة | سلة المعيشة الأساسية لأسرة من 5 أفراد تتجاوز 6,500,000 ليرة | اعتماد نسبة واسعة من الأسر على تحويلات المغتربين |
الضغط السكاني وسوق العمل بعد حركة العودة
يزيد من تعقيد هذه المعادلة الملف السكاني والديمغرافي المحتدم، إذ تشير أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تسجيل عودة أكثر من 1.5 مليون مواطن سوري حتى الآن.
هذه العودة الكثيفة، رغم إيجابيتها الإنسانية، رفعت حدة الضغط على سوق العمل المحلي الذي يعاني بالأساس من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب.
وعلى الرغم من أن الحد الأدنى للأجور شهد زيادات متتالية ليصل إلى نحو 1,256,000 ليرة سورية شهرياً (ما يقارب 90 إلى 100 دولار بحسب أسعار الصرف)، وتأكيدات مسؤولي القطاع المالي بأن الزيادات التراكمية في الأجور بلغت مستويات قياسية، إلا أن البيانات التحليلية الصادرة عن مراكز البحوث الاقتصادية تشير إلى أن أجور قطاع واسع من الموظفين لا تزال تقل بنسبة تتراوح بين 55% إلى 60% عن خط الفقر المدقع مقارنة بالسلة الكاملة للمعيشة.
هذا التباين يجعل التنافس شديداً على الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والوظائف الإسعافية في المدن والمحافظات ذات الكثافة العالية.
إصلاح المنظومة المصرفية والرهان على القوة الشرائية
في المقابل، يتحرك القطاع المالي والمصرفي بخطوات حذرة لإعادة الاندماج في الحركة الاقتصادية، مع التركيز على ضبط الاستقرار النقدي وتحديث قوانين الصرف، وتفعيل أطر الدفع الإلكتروني لتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وضبط المالية العامة لكن هذا المسار التنظيمي وتحديث أدوات التعامل المالي لن يُقاس نجاحه الحقيقي بحجم ضبط عجز الموازنة أو بتقارير المؤسسات الدولية الفوقية فحسب، بل بمدى قدرة هذه الإصلاحات على تقليص الفجوة المعيشية، وتحويل المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى قوة شرائية ملموسة تشعر بها العائلة السورية في سوقها اليومي.
اقرأ أيضاً:أسعار الفروج في سوريا ترتفع مجددًا.. وجبة الفقراء تفقد مكانتها تحت ضغط الغلاء
اقرأ أيضاً:33% خلال عام.. ارتفاع كلفة المعيشة يلتهم زيادة الأجور في سوريا