الصحة النفسية في سوريا: جراح الحرب المنسية وتحديات إعادة البناء بعد سقوط النظام
بعد عام ونيف على سقوط نظام الأسد في سوريا، يعيش السوريون مرحلة انتقالية معقدة ومثقلة بإرث 14 عاماً من الحرب. ورغم مشاعر الأمل بمستقبل أفضل، إلا أن الآثار النفسية العميقة المترتبة على العنف الواسع، التوترات الطائفية والعرقية، أزمة تعاطي المخدرات، والعودة الكثيفة للاجئين والنازحين، خلقت فجوة واحتياجات هائلة في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي (MHPSS) لمختلف الفئات العمرية.
بالمقابل، تواجه هذه الاحتياجات منظومة صحية متهالكة ومحدودة الموارد، ما يدفع غالبية السكان للاعتماد على شبكات الدعم الأسري والديني والمجتمعي بغياب الرعاية التخصصية.
إعادة بناء القطاع الصحي: فرصة تاريخية بعد رفع العقوبات
مع التغيير السياسي الشامل ورفع العقوبات الدولية، ظهرت فرصة حقيقية لإصلاح المنظومة الطبية؛ حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من بين كل عشرة سوريين يعاني من اضطراب نفسي، في وقت تحول فيه الوصمة الاجتماعية ونقص الخدمات دون تلقي العلاج.
ملامح الاستراتيجية الوطنية الجديدة:
-
التزام حكومي بالإصلاح: أعلن وزير الصحة الجديد التزامه بمكافحة الفساد وتطوير قطاع الصحة النفسية عبر فتح الباب أمام المنظمات المحلية والدولية ومساندة عملها بدلاً من تقييده.
-
تفعيل الخطط المعطلة: إعادة إحياء الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية المصممة سابقاً بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.
-
تمكين المجتمع المدني: إشراك المؤسسات غير الحكومية كعنصر أساسي لسد النقص الحاد في الكوادر السريرية المؤهلة.
الناجون من الاعتقال وسجن صيدنايا: نموذج “الرعاية التدريجية” للتعافي
في مراكز التعافي بمدينة حمص، يبرز ملف الناجين من المعتقلات وسجن صيدنايا كأحد أكثر الملفات تعقيداً؛ نظرًا لتعرضهم لتجارب قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي، ومعاناتهم من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الاكتئاب الحاد، والانفصال عن واقعهم الاجتماعي بعد سنوات المغيب.
التعافي النفسي والتمكين الاقتصادي: يؤكد الناجون أن العلاج النفسي وحده لا يكفي؛ إذ يرتبط استقرارهم باستخراج وثائق الهوية المفقودة، الحصول على فرص عمل وتدريب مهني، وتأمين الدعم المالي الأساسي.
ولمواجهة هذا التحدي، تم اعتماد نموذج “الرعاية التدريجية” القائم على خطوات مدروسة:
[تدخلات نفسية جماعية وفردية (متخصصين وغير متخصصين)] ◄ [تحسن أولي وانخفاض مستويات القلق] ◄ [الإحالة إلى العلاج الطبي التخصصي عند الحاجة]
وقد ساهم هذا النموذج في خفض مستويات الاكتئاب والقلق لدى مئات المشاركين، وإعادة إحياء مشاعر الأمل والاستقرار لديهم.
العقبات الهيكلية التي تواجه الدولة في توفير الرعاية النفسية
رغم التحركات الإيجابية، تصطدم جهود وزارة الصحة والمنظمات الدولية بعدة عوائق جوهرية:
-
أزمة تعاطي المخدرات: تشهد البلاد انتشاراً متزايداً للمنشطات والمواد الأفيونية وخاصة حبوب الكبتاغون، مما دفع الحكومة لإطلاق برامج طارئة ومراكز لسحب السموم تعاني من شح الموارد.
-
العنف المحلي ونقص التدريب: يفتقر المتطوعون والعاملون الاجتماعيون في المناطق المتضررة من النزاعات المحلية إلى التأهيل السريري الكافي للتعامل مع الحالات النفسية المعقدة.
-
سوء توزيع التمويل: تذهب الميزانيات المحدودة للمستشفيات النفسية الكبرى والمركزية، دون توجيه دعم حقيقي للخدمات النفسية المجتمعية واللامركزية.
-
ضعف المدارس: بالرغم من وجود مرشدين نفسيين في قطاع التعليم، إلا أنهم يفتقرون للتدريب السريري القائم على الأدلة للتعامل مع صدمات الأطفال.
العدالة الانتقالية و”الخسارة الخفية”
لا ينفصل التعافي النفسي في سوريا عن مسار العدالة الانتقالية؛ فوجود آلاف العائلات التي تجهل مصير ذويها المخفيين قسرياً يتسبب بحالة من “الخسارة الخفية” (Ambiguous Loss)، وهي صدمة مستمرة تتطلب برامج دعم مجتمعي ممتدة وطويلة الأجل، ترتبط مباشرة بتحقيق العدالة والكرامة وإعادة الإعمار.
رؤية مستقبلية: نحو نظام صحي نفسي متعدد القطاعات
يتطلب بناء منظومة صحية نفسية مستدامة في سوريا تبني نهج تشاركي متكامل يربط بين الوزارات المعنية (الصحة، التعليم، العدل)، والمجتمع المدني، والدول المانحة.
وعلى الرغم من حجم التحديات الشاقة، يبقى هناك تفاؤل حذر مدفوع بالرغبة العارمة لدى الكوادر البشرية السورية في إعادة البناء، شريطة استمرار الاستقرار السياسي، وتدفق التمويل الدولي، والعمل الجاد على تفكيك الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض النفسي.
إقرأ أيضاً: دراسة: العنف الرقمي ضد السوريات ظاهرة ممنهجة تُقصيهن عن المجال العام
إقرأ أيضاً: أزمة حادة في مشافي الأمراض النفسية بسوريا: نقص الأخصائيين وتزايد مرضى الفصام