أزمة التعليم في سوريا: كيف غابت “السردية الوطنية” أمام تجارب ألمانيا ورواندا؟

تواجه وزارة التربية والتعليم السورية، بعد مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد وبداية المرحلة الانتقالية، موجة حادة من الانتقادات والملفات الخلافية العالقة. وتتراوح هذه المشكلات بين التعديلات التي وُصفت بـ “الارتجالية” في المناهج، وقرارات نقل المعلمين، وصولاً إلى أزمة التفاوت في أسئلة الامتحانات الأخيرة.

ورغم وفرة التجارب العالمية لدول مرت بمنعطفات تاريخية مشابهة، يرى خبراء وتربويون أن الوزارة لم تتمكن حتى اليوم من بناء سردية وطنية جامعة توحد شعباً عانى نصفه من التهجير والقتل، ونصفه الآخر من التفقير والاعتقال والإخفاء القسري.

نماذج ملهمة: كيف أعاد التعليم بناء ألمانيا ورواندا بعد الدمار؟

تُقدم التجارب الدولية دروساً صارمة في كيفية تحويل التعليم إلى رافعة للنهوض الاقتصادي والسلم الأهلي بعد الأزمات الطاحنة:

1. التجربة الألمانية: تفكيك النازية و”المعجزة الاقتصادية”

بعد الحرب العالمية الثانية، ركز الألمان الجدد على محو العرقية الآرية المعادية للآخر عبر خطوات استراتيجية:

  • استحداث مادة “التربية المدنية”: لتعليم الطلاب حقوق الإنسان وآليات المحاسبة السياسية لمنع عودة الديكتاتورية.

  • تبني “التعليم المزدوج”: دمج التعليم النظري بالعملي عبر تدريب الشباب في المصانع، مما وفر فرص عمل وحفز الابتكار، وهو ما قاد إلى “المعجزة الاقتصادية الألمانية”.

  • التركيز على العقل النقدي: استبدال الأيديولوجية النازية بالتفكير الديمقراطي والنقدي.

2. التجربة الرواندية: محو القبلية والاستثمار التكنولوجي

بعد الإبادة الجماعية عام 1994 التي راح ضحيتها مليون شخص، اتخذت رواندا قرارات وطنية جريئة:

  • إلغاء الفرز العرقي: شطب مسميات “الهوتو والتوتسي” من المناهج والبطاقات المدرسية واستبدالها بشعار “نحن روانديون فقط”.

  • تجميد مادة التاريخ: تم إيقاف تدريس التاريخ لعدة سنوات حتى صياغة منهاج موحد ينبذ الكراهية ويركز على جذور الوحدة التاريخية.

  • الاستثمار في رأس المال البشري: إطلاق مبادرات تقنية مثل “لكل طفل حاسوب محمول”، واعتماد اللغة الإنجليزية، لتتحول البلاد إلى مركز إقليمي للابتكار.

واقع قطاع التعليم السوري: مقارنة بالتجارب الناجحة

وجه المقارنة ألمانيا (بعد الحرب العالمية) رواندا (بعد الإبادة الجماعية) سوريا (الواقع الحالي 2026)
الهوية والمناهج تربية مدنية، تفكير نقدي، ديمقراطية. إلغاء الفرز العرقي، منهاج تاريخ موحد. غياب السردية الوطنية الجامعة، وتعديلات وُصفت بالارتجالية.
الربط بالاقتصاد والتقنية تعليم مزدوج (نظري وعملي) بالمصانع. مبادرات تكنولوجية (حاسوب لكل طفل). غياب خطط واضحة لربط التعليم بالإعمار والتكنولوجيا.
العدالة والتقييم تكافؤ فرص وآليات محاسبة واضحة. استثمار شامل في رأس المال البشري. انتقادات لعدالة الامتحانات وتوزيع الفرص الجامعية.

أزمة المناهج وامتحان الرياضيات: شرخ في الثقة والعدالة

أظهرت الممارسات الحالية في سوريا فجوة كبيرة مقارنة بالتجارب الدولية؛ حيث أثار امتحان مادة الرياضيات مؤخراً موجة واسعة من الاستياء بين الطلبة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

  • غياب العدالة الجغرافية: عبر طلاب في لقاءات مع موقع “تلفزيون سوريا” عن شعورهم بعدم تكافؤ مستويات الأسئلة بين منطقة وأخرى.

  • تهديد المستقبل الأكاديمي: أبدى الكثير من الطلاب مخاوفهم من أن تؤثر صعوبة الامتحانات سلباً على فرصهم في الالتحاق بفروع الدرجة الأولى في التعليم الجامعي.

  • الارتجال الإداري: وصف معلمون التقاهم الموقع آليات تعديل المناهج الحالية بأنها “ارتجالية” وتفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة، فضلاً عن وجود هموم مالية وإدارية واسعة تثقل كاهل الكادر التدريسي.

خلاصة: هل تصلح هذه التجارب الدولية للتطبيق في سوريا؟

ويقول معملون سوريون إن “إن الاستفادة من التجربتين الألمانية والرواندية ليست مجرد مسألة تقنية تتعلق بتأليف المناهج، بل هي قرار يرتبط بالجرأة السياسية لتحديد هوية المسار التربوي وتبني منهج العقل النقدي.”

بدون هذه المقاربة الجريئة القائمة على التفكير النقدي، يرى تربويون سوريون أن الحديث عن استلهام “المعجزة الألمانية” في الصناعة أو “التجربة الرواندية” في التكنولوجيا سيبقى مجرد أفكار معلقة دون أي أثر حقيقي على أرض الواقع المعاش.

إقرأ أيضاً: من قاعات التعليم إلى قبضة الصندوق السيادي.. الجامعات الخاصة في سوريا أمام مرحلة جديدة من السيطرة

إقرأ أيضاً: امتحان الرياضيات بالبكالوريا: تباين بين دمشق وإدلب وإغماءات بين الطلاب

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.