مزارع الترفيه في ريف دمشق… ازدهار سريع فوق أرضٍ تُستنزف: الماء يُستهلك والزراعة تتراجع
مع اشتداد حرارة الصيف في سوريا، تتحول مزارع ريف دمشق من أراضٍ زراعية إلى وجهات ترفيهية مكتظة بالزوار، في مشهد يبدو في ظاهره نشاطاً موسمياً طبيعياً، لكنه يخفي وراءه تحولات أعمق تطاول الأمن المائي والغذائي في واحدة من أهم المناطق الزراعية في البلاد.
بين مسابح خاصة، واستراحات مؤجرة باليوم، ومشاريع ترفيهية تتوسع بسرعة لافتة، تتراجع المساحات المزروعة لصالح استثمارات قصيرة الأجل، تبدو أكثر ربحاً وأقل كلفة على أصحابها، لكنها أكثر كلفة على المدى البعيد للبيئة والموارد.
ازدهار ترفيهي على حساب الأرض
في ريف دمشق، خصوصاً في الغوطة الشرقية، تحولت المزارع إلى مشاريع استثمارية موسمية تعتمد على الإيجار اليومي، حيث تصل الأسعار إلى مئات الآلاف وحتى ملايين الليرات لليوم الواحد، وترتفع في مواسم الذروة.
هذا النمو السريع جاء بعد سنوات من التحول الاجتماعي والاقتصادي، إذ وجد كثير من أصحاب الأراضي أن الزراعة لم تعد مجدية كما في السابق، مقارنة بعوائد سريعة تأتي من تأجير المسابح والمرافق الترفيهية.
لكن هذا “التحول الاقتصادي” لا يقف عند حدود الربح الفردي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل استخدام الأرض نفسها، عبر تقليص المساحات الزراعية لصالح البناء والحفر وإنشاء المسابح.
أرض تتحول من إنتاج الغذاء إلى استهلاك الماء
في مقابل هذا الازدهار، تتصاعد التحذيرات من استنزاف خطير للمياه الجوفية نتيجة حفر آبار غير مرخصة، وتكرار تعبئة المسابح، في منطقة تُعد أصلاً من أهم خزانات سوريا الزراعية.
وتشير تقديرات محلية إلى أن آلاف المزارع والاستراحات أُنشئت خلال السنوات الأخيرة دون تراخيص واضحة، ما ساهم في ضغط إضافي على الموارد المائية، وتراجع القدرة الزراعية في واحدة من أكثر المناطق حساسية بيئياً.
ومع توسع هذا النمط، تتراجع زراعة الأشجار والمحاصيل تدريجياً لصالح اقتصاد “الصيف السريع”، الذي يربح في أسابيع ما كانت الزراعة تحتاج إليه من موسم كامل.
مكاسب فردية… وخسائر جماعية مؤجلة
أصحاب المزارع يرون في هذا النشاط فرصة تعويض عن سنوات الركود، مؤكدين أن المشروع لا يلغي الزراعة بالكامل، بل يقتطع منها جزءاً فقط، مع محاولات للحفاظ على الأشجار وريّ المزروعات المتبقية.
لكن هذا التبرير لا يبدد المخاوف من تراكم الأثر البيئي، خصوصاً مع استخدام المياه في المسابح على حساب الري الزراعي، وغياب الرقابة الصارمة على الحفر العشوائي، إضافة إلى مشاكل النفايات والتلوث على أطراف الأراضي.
سلطة رقابية تحاول اللحاق بالواقع
الجهات المحلية تحذر بدورها من أن التوسع العشوائي في إنشاء المزارع السياحية يهدد التوازن البيئي، ويؤدي إلى تراجع الرقعة الزراعية واستنزاف المياه الجوفية، في ظل صعوبات رقابية واضحة على الأرض.
وتؤكد هذه الجهات أن هناك إجراءات للحد من الحفر غير المرخص، وإعادة توجيه بعض الأراضي نحو الاستثمار الزراعي، لكن الواقع يشير إلى أن وتيرة التحول الترفيهي أسرع من قدرة التنظيم والضبط.
بين اقتصاد الصيف وأزمة المستقبل
في العمق، تكشف ظاهرة “مزارع الترفيه” في ريف دمشق عن معادلة قاسية: اقتصاد موسمي سريع الربح مقابل بيئة تُستنزف بصمت.
وبينما يزداد الإقبال على هذه المزارع كمهرب من الحرارة وغلاء الاصطياف، تتراجع الزراعة خطوة إضافية إلى الخلف، في مشهد يلخص اختلال الأولويات بين الحاجة اليومية للربح، والخسارة البطيئة لموارد الأرض والماء.
وفي النهاية، تبدو الغوطة — التي كانت يوماً رمزاً للزراعة والغذاء — وكأنها تُعاد صياغتها من جديد، ولكن هذه المرة كمساحة ترفيه مؤقتة، لا كخزان إنتاج دائم.
اقرأ أيضاً: خطة حكومية لإلغاء مسابح الاصطياف وردم الآبار العشوائية تفجر جدلاً في الغوطة الشرقية