اعتقال حسان عقاد يفتح جرح الحرية في سوريا.. عودة قوانين الماضي تثير عاصفة غضب وانتقادات واسعة
في بلدٍ ما زال يرزح تحت أعباء سنوات طويلة من الحرب والانهيار، وبين أحلام التغيير وواقعٍ جديدٍ يتهمه كثيرون بإعادة إنتاج ممارسات الماضي بأشكال مختلفة، جاء اعتقال الناشط والمخرج السوري حسان عقاد ليعيد إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول مصير الحريات، وحدود التغيير الحقيقي، وما إذا كانت سوريا قد غادرت فعلًا إرث القمع أم أنها لا تزال عالقة في دوامة أدواته القديمة بوجوه جديدة.
فبعد اعتقال عقاد في دمشق على خلفية دعوى رفعها الإعلامي المقرب من السلطة موسى العمر بتهمة التشهير، تصاعدت موجة من ردود الفعل الغاضبة بين صحفيين وحقوقيين وناشطين، الذين رأوا في القضية اختبارًا حقيقيًا لمدى القطيعة مع أدوات القمع القانونية التي شكّلت جزءًا من منظومة السلطة السابقة.
غضب حقوقي: هل تعود أدوات الماضي بوجوه جديدة؟
رئيس “المركز السوري للعدالة والمساءلة” محمد العبد الله وصف اعتقال حسان عقاد بأنه “عار علينا جميعًا، ووصمة على الثورة التي انتصرت”، معتبرًا أن القضية تعيد إلى الواجهة قانون الجرائم الإلكترونية الذي صدر في عهد الرئيس السابق بشار الأسد عام 2012، قبل أن يُعدّل عام 2022، والذي لطالما وُجهت إليه انتقادات باعتباره أداة لتقييد الأصوات المعارضة.
من جانبه، رأى الأكاديمي عبد الرحمن الحاج أن اعتقال عقاد لا يمثل مجرد خلاف قانوني بين شخصين، بل يحمل دلالات أعمق تتعلق بمستقبل العدالة في سوريا، ويعيد طرح أسئلة مؤلمة حول نفوذ الشخصيات النافذة داخل مؤسسات الدولة، ومدى مساواة المواطنين أمام القضاء.
وتزامنت القضية مع تداول معلومات عن ارتباط رجل الأعمال محمد حمشو بالدعاوى المقامة ضد عقاد، وهو ما نفاه الإعلامي موسى العمر بشكل قاطع، مؤكدًا أنه صاحب الشكوى الشخصية وأن القضية لا علاقة لها بحمشو.
أما الصحفي والباحث أحمد أبازيد، فاعتبر أن حجز حرية شخص بسبب قضية رأي ودون وجود جرم عنيف أو حكم قضائي نهائي يُعد مشهدًا صادمًا في بلد عانى ملايين أبنائه من الاعتقال والاختفاء القسري، منتقدًا ما وصفه بازدواجية تطبيق القانون، في وقت لا تزال فيه ملفات محاسبة مسؤولين سابقين متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة تسير ببطء شديد.
أصوات تدافع عن حق التقاضي
في المقابل، رفض عدد من الناشطين تصوير القضية على أنها استهداف للحريات، مؤكدين حق أي شخص في اللجوء إلى القضاء عند تعرضه للتشهير.
وقال الناشط والمنتج ثائر والي إنه كان يفكر أيضًا في رفع دعوى ضد حسان عقاد بسبب ما اعتبره إساءة وتشويهًا بحقه، قبل أن يتراجع لاحقًا.
كما أوضح تامر تركماني، مسؤول منصة “أرشيف الثورة السورية”، أن محاولات الوساطة التي قادها بين موسى العمر وعقاد لم تصل إلى حل ينهي الخلاف بين الطرفين.
اعتقال من مطعم وتساؤلات حول الإجراءات
وبحسب مصادر متقاطعة، أوقفت الأجهزة الأمنية حسان عقاد مساء الأربعاء 17 حزيران داخل أحد المطاعم في دمشق، وهو ما أثار تساؤلات قانونية حول آلية تنفيذ الاعتقال.
القانوني ميشيل شماس تساءل عن سبب عدم استدعاء عقاد عبر الطرق القانونية المعتادة، منتقدًا ما اعتبره تركيزًا على ملاحقة قضايا الرأي في وقت تستمر فيه خطابات التحريض الطائفي والكراهية على بعض المنصات دون إجراءات مماثلة.
في المقابل، قدم الإعلامي موسى العمر روايته للأحداث، مؤكدًا أن الدعوى لا تتعلق بحملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم”، بل بسبب اتهامات اعتبر أنها استهدفت سمعته الشخصية، مشددًا على أن حماية السمعة حق قانوني معمول به في مختلف الدول.
وقال العمر إنه كان قد قرر التنازل عن الشكوى، لكنه تراجع نتيجة ما وصفه بتصرفات عقاد الإعلامية، قبل أن يؤكد لاحقًا أنه طلب من محاميته استكمال إجراءات التنازل، موضحًا أن الأمر قد يتأخر بسبب العطلة الرسمية.
كما نفى العمر أن يكون اعتقال عقاد نتيجة قربه من السلطة أو بسبب أي نفوذ سياسي، مشيرًا إلى أن عقاد لم يلتزم بمراجعة فرع الجرائم الإلكترونية بعد استدعائه، وكسر هاتفه المحمول، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى إحضاره واتخاذ إجراءات منع السفر بحقه.
من هو حسان عقاد؟
يُعد حسان عقاد أحد أبرز الوجوه السورية التي برزت خلال السنوات الماضية في مجالات صناعة الأفلام والتوثيق الرقمي. عُرف مؤخرًا من خلال حملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم”، التي استهدفت أشخاصًا لم يلتزموا بتعهداتهم المالية تجاه حملات تبرعات داخل سوريا، كما خاض حملات إعلامية ضد رجل الأعمال محمد حمشو على خلفية اتهامات تتعلق بالاستفادة من ملف أنقاض منازل المهجرين خلال سنوات الحرب.
عاش عقاد تجربة الاعتقال مرتين خلال مشاركته في الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وتحدث عن تعرضه للتعذيب والانتهاكات داخل فروع أمنية تابعة للنظام السابق، قبل أن يغادر سوريا عام 2012 متنقلًا بين عدة دول وصولًا إلى بريطانيا.
وفي المملكة المتحدة، وثّق رحلة اللجوء في السلسلة الوثائقية “Exodus: Our Journey to Europe”، التي نالت جائزة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (BAFTA) عام 2017، كما شارك في إخراج الفيلم الوثائقي “Convergence” الذي تناول قصص العاملين في مواجهة جائحة كورونا.
قضية تتجاوز شخص عقاد
بعيدًا عن الخلاف بين حسان عقاد وموسى العمر، تبدو القضية بالنسبة لكثير من السوريين انعكاسًا لأزمة أعمق تعيشها البلاد في مرحلة انتقالية لا تزال تتأرجح بين وعود بناء دولة القانون، وبين بقاء تشريعات وآليات عمل تعود إلى الاستبداد.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بمصير ناشط أو إعلامي فحسب، بل بمستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبقدرة سوريا على الانتقال من دولة تُعاقب الكلمة، إلى دولة تحمي حق الاختلاف وتضمن في الوقت ذاته حقوق الأفراد ضمن إطار قضائي عادل وشفاف.
اقرأ ايضاً: “الادعاء الشخصي” كغطاء للاعتقال: هل فُتح ملف “معتقلي الرأي” في سوريا مجدداً؟
حساباتنا: فيسبوك تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام