سوريا ممر محتمل لنقل الكهرباء إقليمياً.. ما الذي يعيق المشروع؟

تطرح المباحثات التركية بشأن إنشاء خط للربط الكهربائي بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية إمكانية تحوّل الأراضي السورية إلى ممر لنقل الطاقة بين دول المنطقة، بما قد يفتح المجال أمام عوائد مالية وفرص لاستيراد الكهرباء، في حال تنفيذ المشروع واستكمال متطلباته الفنية.

لكن الاستفادة من هذا الدور المحتمل تصطدم بتضرر أجزاء من شبكة الكهرباء السورية، إلى جانب صعوبات في التوليد وتأمين احتياجات الاستهلاك المحلي، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الشبكة الحالية على استيعاب الربط الإقليمي.

وكان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أعلن أن بلاده تجري مباحثات بشأن مشروع لربط شبكات الكهرباء بين تركيا والسعودية والأردن وسوريا، بهدف تعزيز التعاون في مجال الطاقة والتعامل مع التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.

ويعتمد إمكان تنفيذ المشروع على طبيعة الربط بين الشبكات، وحجم أعمال التأهيل المطلوبة في سوريا، فضلاً عن التمويل اللازم والاتفاقات الفنية والتجارية بين الدول المعنية.

أضرار الشبكة تعرقل الربط

قال الاستشاري في هندسة الطاقة والكهرباء نضال قرموشة، لموقع «عنب بلدي»، إن شبكة الكهرباء السورية ليست مهيأة حالياً لنقل الطاقة بين الدول، مشيراً إلى الأضرار التي لحقت بخطوط التوتر العالي بجهد 400 كيلوفولت خلال سنوات الحرب.

وأوضح قرموشة أن الأضرار شملت تدمير أبراج كهربائية وسرقة أجزاء من الموصلات الهوائية، ما يجعل إعادة تشغيل هذه الخطوط مرتبطة بأعمال صيانة وتأهيل تتطلب استثمارات كبيرة.

ولا تقتصر التحديات على البنية التحتية، إذ تعاني المنظومة الكهربائية السورية نقصاً في القدرة على توليد الطاقة، وأعطالاً متكررة، فضلاً عن عدم كفاية الإمدادات لتلبية الطلب المحلي، وهو ما ينعكس على ساعات التغذية الكهربائية.

وبحسب قرموشة، فإن هذه الظروف تجعل الربط المتزامن بين الشبكة السورية والشبكات المجاورة أمراً صعباً في الوقت الراهن، نظراً إلى احتمال انتقال الاضطرابات الفنية من شبكة إلى أخرى والتأثير في استقرارها.

ويعني الربط المتزامن تشغيل الشبكات المتصلة ضمن تردد متوافق، بحيث يمكنها تبادل الكهرباء بصورة مباشرة، لكنه يتطلب استقراراً فنياً وقدرة على ضبط التردد والأحمال والتعامل مع الأعطال.

حلول فنية قبل إعادة تأهيل الشبكة

رغم التحديات، يرى قرموشة أن هناك خيارات فنية قد تتيح نقل الكهرباء عبر الأراضي السورية، أو تزويد مناطق محددة بالطاقة المستوردة، قبل استكمال إعادة تأهيل الشبكة العامة.

ويتمثل الخيار الأول في تمرير الكهرباء بين دولتين عبر خطوط تعبر الأراضي السورية، من دون ربط الشبكة السورية بهما بصورة متزامنة. ويُعرف هذا الأسلوب بالحقن المباشر، ويتيح نظرياً استخدام مسار النقل من دون دمج المنظومات الكهربائية الثلاث في شبكة واحدة متزامنة.

أما إذا أرادت سوريا استيراد الكهرباء من دولة مجاورة، فيمكن، وفق قرموشة، الاعتماد على نظام «الجزر الكهربائية»، الذي يقوم على عزل منطقة محددة عن الشبكة العامة وتغذيتها من مصدر مستقل.

ويتيح هذا الأسلوب، عند توافر التجهيزات المناسبة، تزويد منطقة معينة بالكهرباء المستوردة من دون ربطها مباشرة بجميع أجزاء الشبكة المحلية. غير أن تطبيقه يحتاج إلى تجهيزات فنية وإجراءات تشغيلية تضمن سلامة الإمدادات واستقرارها.

ويمكن لهذه الخيارات أن توفر حلولاً جزئية في مراحل التأهيل الأولى، لكنها لا تغني عن إصلاح خطوط النقل وتطوير الشبكة إذا كان الهدف هو دمج سوريا بصورة كاملة في منظومة إقليمية لتبادل الكهرباء.

ما المطلوب لربط سوريا بالسعودية؟

يتطلب توسيع المشروع باتجاه السعودية، بحسب قرموشة، ربط الشبكة الأردنية بالجزء الشمالي من الشبكة السعودية، إلى جانب استكمال البنية اللازمة لنقل الكهرباء بين الدول المشاركة.

وفي حال إصلاح خطوط النقل السورية وإعادة تأهيلها، يمكن أن تستفيد سوريا من موقعها الجغرافي لتكون ممراً لنقل الطاقة بين تركيا والأردن والسعودية، سواء باتجاه دول الخليج أو في الاتجاه المعاكس، وفق ترتيبات المشروع.

لكن هذا الدور لا يتحقق بمجرد الاتفاق على مسار الخطوط، إذ يتطلب إعادة بناء الأجزاء المتضررة من شبكة النقل، ورفع كفاءتها التشغيلية، وضمان قدرتها على تمرير كميات الكهرباء المتفق عليها من دون التأثير في الإمدادات المحلية.

كما يرتبط التنفيذ بتحديد الجهة المسؤولة عن التمويل والتشغيل والصيانة، وتوزيع الأدوار بين الدول، والاتفاق على كميات الطاقة التي يمكن نقلها وشروط تبادلها.

رسوم عبور وإمكانية استيراد الكهرباء

يمكن أن تستفيد سوريا اقتصادياً من مشروع الربط عبر مسارين رئيسيين، وفق قرموشة.

الأول هو تحصيل رسوم مقابل مرور الكهرباء عبر أراضيها، إذا أصبحت خطوط النقل السورية جزءاً من مسار إقليمي لتبادل الطاقة. ويتوقف حجم هذه العوائد على الاتفاقات بين الدول، وطبيعة البنية المستخدمة، وكميات الكهرباء التي ستعبر الشبكة.

أما المسار الثاني، فيتمثل في إمكانية استيراد الكهرباء من الدول المجاورة، خصوصاً عندما تكون تكلفة شرائها أقل من تكلفة إنتاجها محلياً، أو عندما تحتاج سوريا إلى زيادة الإمدادات خلال فترات ارتفاع الطلب.

لكن الاستفادة من الاستيراد تتطلب توافر التمويل اللازم لتسديد قيمة الكهرباء، فضلاً عن قدرة الشبكة على استقبال الطاقة ونقلها وتوزيعها على المستهلكين.

وفي ظل العجز الحالي في الإمدادات، قد يشكل استيراد الكهرباء خياراً لتخفيف النقص، إلا أن أثره الفعلي سيبقى مرتبطاً بالكميات المتاحة والأسعار وشروط التعاقد، إضافة إلى جاهزية البنية التحتية.

تجربة سابقة في الربط الإقليمي

شاركت سوريا سابقاً في مشروعات للربط الكهربائي بين دول المنطقة، من بينها مشروع «الربط الثماني»، الذي ضم سوريا والأردن ومصر ولبنان والعراق وليبيا وتركيا وفلسطين، وفق قرموشة.

وأوضح أن المشروع، الذي أُنجز في نهاية عام 2011 بحسب إفادته، أتاح تشغيل بعض المنظومات الكهربائية المشاركة بصورة متوازية، إلى جانب إبرام اتفاقات لتبادل الطاقة بين عدد من الدول.

لكن تضرر خطوط النقل ذات التوتر العالي خلال سنوات الحرب أدى إلى خروج أجزاء من الشبكة السورية عن الخدمة، ما حدّ من قدرتها على مواصلة دورها في الربط الإقليمي.

وتأتي المباحثات الحالية في وقت تواجه فيه سوريا تحديات كبيرة في إعادة تأهيل قطاع الكهرباء، بدءاً من إصلاح خطوط النقل ومحطات التحويل، وصولاً إلى تحسين التوليد وتأمين احتياجات السوق المحلية.

وبينما يمنح موقع سوريا الجغرافي فرصة للمشاركة في مشروعات نقل الطاقة الإقليمية، فإن تحويل هذه الفرصة إلى عوائد اقتصادية أو إمدادات إضافية للكهرباء يتطلب استثمارات واتفاقات واضحة، إلى جانب معالجة المشكلات الفنية التي تعاني منها الشبكة. وحتى الآن، تبقى المباحثات المعلنة خطوة أولية، ولا تعني أن المشروع دخل مرحلة التنفيذ أو أن سوريا أصبحت قادرة على أداء دور الممر الكهربائي.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.