اتصال نتنياهو المزعوم بالشرع.. حسابات انتخابية ورسائل سياسية إلى دمشق

11، تساؤلات بشأن دوافع الإعلان عنه في هذا التوقيت، ودلالات تعامل دمشق معه من دون تأكيد حصوله أو نفيه صراحة.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتزامناً مع الاستحقاقات السياسية الداخلية في إسرائيل، ما يفتح الباب أمام قراءات تربط تصريحات نتنياهو بمحاولاته تعزيز صورته السياسية، إلى جانب الرسائل التي يريد توجيهها إلى القيادة السورية.

وخلال لقاء نظمه حزب «الليكود» مع أبناء الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، قال نتنياهو إنه أجرى اتصالاً هاتفياً مباشراً بالشرع، واصفاً إياه بأنه كان «قصيراً جداً وحاسماً جداً». وادعى أنه تدخل شخصياً خلال التصعيد الذي شهدته محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025، وأن تحذيراته للقيادة السورية أسهمت في وقف الاشتباكات وانسحاب القوات الحكومية من المنطقة.

وربط نتنياهو الاتصال، وفق روايته، بالغارات التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مواقع في دمشق، بينها مجمع الأركان العامة ومحيط القصر الرئاسي، خلال التصعيد الذي شهدته المحافظة ذات الغالبية الدرزية.

في المقابل، لم تؤكد السلطات السورية إجراء الاتصال ولم تنفه بشكل مباشر، بل ركز موقفها المعلن على رفض الرواية الإسرائيلية المتعلقة بأحداث السويداء، وانتقدت ما وصفته بمحاولات استغلال أبناء الطائفة الدرزية في الدعاية السياسية والانتخابية داخل إسرائيل.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن مصدر مسؤول قوله إن أبناء الطائفة الدرزية جزء أصيل من المجتمع السوري، وإن ما شهدته السويداء في تموز/يوليو 2025 ارتبط، وفق الموقف الرسمي، بمخطط إسرائيلي استهدف السلم الأهلي. كما أرجع المصدر جهود وقف القصف والتهدئة إلى الوساطة والرعاية الأميركية، رافضاً ربطها بادعاءات نتنياهو بشأن تدخله المباشر.

السويداء بين التصعيد العسكري والمساعي السياسية

شهدت السويداء في تموز/يوليو 2025 مواجهات دامية بين مجموعات مسلحة محلية ومجموعات من العشائر، قبل تدخل القوات الحكومية السورية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح مدنيين.

وتزامنت الأحداث مع تدخل عسكري إسرائيلي شمل شن غارات على مواقع في السويداء ودمشق، قالت تل أبيب إنها تأتي في إطار حماية الدروز ومنع تقدم القوات الحكومية. كما وجه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديدات إلى دمشق، مطالباً القوات السورية بالانسحاب من المنطقة، ومتوعداً بتوسيع الضربات إذا لم تستجب للإنذارات الإسرائيلية.

وفي 16 أيلول/سبتمبر 2025، عُقد اجتماع ثلاثي ضم ممثلين عن سوريا والأردن والولايات المتحدة، أفضى إلى اعتماد خريطة طريق لمعالجة الأزمة. وشملت الخطة وقف العنف، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، ودعم عودة النازحين، وتعزيز المصالحة والمحاسبة عن الانتهاكات، والعمل على الحد من التدخلات الخارجية.

ويشكل هذا المسار أحد العوامل الأساسية لفهم السياق السياسي الذي يأتي فيه حديث نتنياهو عن الاتصال المزعوم، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إدارة الملف الجنوبي عبر قنوات دبلوماسية وإقليمية، وسط استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية.

حسابات نتنياهو الداخلية

يرى المحلل السياسي وائل علوان، في حديث إلى «العربي الجديد»، أن إعلان نتنياهو عن الاتصال يندرج ضمن ما وصفه باستعراض سياسي وإعلامي، يهدف إلى استفزاز القيادة السورية ودفعها إلى ردود فعل قد تستخدمها إسرائيل لتبرير مزيد من التصعيد السياسي أو الميداني.

واعتبر علوان أن تعامل دمشق مع التصريح من دون الدخول في سجال مباشر يعكس محاولة لتجنب الانجرار إلى مواجهة إعلامية تخدم أهداف نتنياهو، مشيراً إلى الضغوط الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بما فيها التحديات السياسية والقضائية والانتخابية.

وبحسب قراءة علوان، يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه باعتباره قائداً قادراً على التدخل المباشر وفرض قراراته في الملفات الأمنية الإقليمية، وهي صورة قد تكون ذات أهمية في ظل التنافس السياسي الداخلي.

وأضاف أن وجود قنوات اتصال أمنية أو سياسية غير معلنة بين أطراف متخاصمة ليس أمراً مستبعداً في إدارة الأزمات الإقليمية، لكن ذلك لا يثبت، بحد ذاته، صحة الرواية التي طرحها نتنياهو بشأن الاتصال أو الدور الذي نسبه إلى نفسه في وقف المواجهات.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجنب دمشق تأكيد الاتصال أو نفيه بوصفه موقفاً يحد من تحويل التصريح إلى سجال علني، من دون أن يشكل دليلاً على حصول المكالمة أو عدم حصولها.

مخاوف إسرائيلية من مسار التحول السوري

من جهته، يرى المحلل السياسي محمد السعيد، في حديث إلى أن إدراج اسم الشرع في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي يتجاوز، بحسب تقديره، محاولة كسب تأييد أبناء الطائفة الدرزية، ويعكس قلقاً إسرائيلياً من مسار التحولات السياسية في سوريا.

وقال السعيد إن إسرائيل كانت تراهن على أن يؤدي التغيير السياسي في سوريا إلى حالة من الفوضى والتفكك، لكن استعادة المؤسسات السورية جزءاً من قدرتها على العمل، إلى جانب تنامي الاتصالات الإقليمية والدولية مع دمشق، فرضت تحديات على هذه الحسابات.

واعتبر أن تصريحات نتنياهو قد تستهدف التشكيك في استقلالية القرار السوري وإضعاف صورة القيادة الجديدة، من خلال الإيحاء بأن إسرائيل قادرة على التأثير المباشر في قرارات دمشق، ولا سيما خلال الأزمات الأمنية.

وتبقى هذه القراءة تحليلاً سياسياً لا يمكن اعتباره دليلاً قاطعاً على دوافع نتنياهو، الذي لم يقدم في التصريحات المشار إليها تفاصيل مستقلة تثبت طبيعة الاتصال المزعوم أو نتائجه.

الجنوب السوري في قلب التجاذب

تتجاوز دلالات السجال بين دمشق وتل أبيب مسألة الاتصال الهاتفي، لتشمل مستقبل الوضع الأمني في السويداء ودرعا والقنيطرة، وحدود التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري.

ففي الوقت الذي تبرر فيه إسرائيل عملياتها العسكرية بمخاوف أمنية وبحماية أبناء الطائفة الدرزية، تعتبر دمشق أن هذه العمليات تمثل انتهاكاً لسيادتها ومحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً مع استمرار التوغلات والاعتداءات في المنطقة.

وفي هذا السياق، أكد الشرع، خلال جلسة حوارية نظمها «المجلس الأطلسي» في نيويورك، أن التوصل إلى سلام مستدام مع إسرائيل يتطلب إنهاء الاحتلال واستعادة الأراضي السورية المحتلة، وفي مقدمتها الجولان. كما أشار إلى لجوء دمشق إلى المسار الدبلوماسي وإجراء نقاشات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل، تناولت العودة إلى حدود اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وإمكانية التوصل إلى تفاهمات أمنية.

وشدد الشرع، وفق التصريحات المنقولة عنه، على ضرورة إخضاع المخاوف الأمنية الإسرائيلية لتقييم محايد، رافضاً استخدام تلك المخاوف لتبرير استمرار العمليات العسكرية أو فرض ترتيبات على الأراضي السورية.

وبين رواية نتنياهو التي تقدم الاتصال المزعوم باعتباره تدخلاً حاسماً في أحداث السويداء، وموقف دمشق الذي يرفض هذا الطرح من دون حسم مسألة الاتصال نفسها، يبقى التحقق من تفاصيل المكالمة ونتائجها أمراً غير محسوم. لكن توقيت التصريحات وسياقها يسلطان الضوء على تداخل الحسابات الداخلية الإسرائيلية مع التنافس السياسي والأمني حول مستقبل الجنوب السوري.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.